كتاب الحروف والأدوات الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي

الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي

الجزء ١ · صفحة ٤١٧

الحروف والأدوات

417

و مما يدلّك أيضاً على أنَّ الفاء ليست كالواو قولك: مررتُ بزيد وعمرو، ومررتُ بزيد فعمرو، تريد أن تُعلم بالفاء أنَّك مررت بعمرو بعد أن مررت بزيد. وتقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فلو أدخلت الفاء هاهنا فَسد المعنى. لأنه إنما أراد أن يقول له: لا تجمع بين اللبن والسمك، ولا ينهاه أن يأكل السمك على حِدَةٍ ويشرب اللبن على حِدَةٍ، فإذا جَزَم فكأنه نهاه أن يأكل السمك على كل حال أو يشرب اللبن على كل حال. وإن شئتَ جزمتَ على النهي في غير هذا الموضع أيضا. قال جرير: ولَا تَشْتِم المَوْلَى وَتَبْلُغْ أَذَاتَه

فإنك إن تَفعل تُسَفَّهْ وتَجْهَل (31)

(فقد جزم "تبلغ" لأنه دخل في النهي).

ومثل النصب في هذا الباب قول الحطيئة:

ألم أك جارَكُم ويَكون بيني وبينكم المودة والإخاءُ (32)

كأنه قال: ألم أك هكذا ويَكونَ بيني وبينكم. وقال دريد بن الصمةً:

قتلتُ بعبد الله خير لداته

ذُؤاباً فلم أفخر بذاك وأجزَعا (33)

وتقول: لا يَسَعُني شيءٌ ويعجز عنك، فانتصاب الفعل هاهنا من الوجه الذي انتصب به في الفاء، إلا أنّ الواو لا يكون موضعها في الكلام

موضع الفاء.

وتقول: انتني وآتيك، إذا أردت ليكن إتيان منك وأن آتيك، تعني

"إتيان منك وإتيان مني". وإن أردت الأمر أدخلت اللام كما فعلت ذلك في الفاء حيث قلت: ائتني فلأحدثك، فتقول: ائتني ولآتك.