الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي
الجزء ١ · صفحة ٤٨٣الحروف والأدوات
483
واعلم أن كم في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه رُبَّ. لأنّ المعنى واحد. إلا أنّ "كم" اسم. ورُبَّ غيرُ اسم بمنزلة من. والدليل عليه أن العرب تقول: كم رجل أفضلُ منك. تجعله خبر "كم"
واعلم أنّ ناساً من العرب يُعْمِلُونها فيما بعدها في الخبر كما يُعملونها في الاستفهام. فينصبون بها كأنّها اسم منون. ويجوز لها أن تعمل في هذا الموضع في جميع ما عَمِلَتْ فيه رُبَّ إلا أنها تنصب. لأنها منونة. ومعناها " مُنَوَّنةً وغيرَ مُنوَّنة سواء. لأنه لو جاز في الكلام أو اضطر شاعر فقال: ثلاثة أثْوَاباً. كان معناه معنى ثلاثة أثواب. وقال يزيد بن ضَبَّةً:
إذا عاش الفَتَى مائتين عاماً وقال الآخر:
أَنْعَتُ عَيْراً مِن حَمِيرٍ خَنْزَرَهُ
وبعض العرب يُنشد قول الفرزدق:
كم عَ عَمِّةً لَكَ يا جريرُ وخالةً
وهم كثير. فمنهم الفرزدق والبيت له.
فقد ذَهَب المَسَرَّةُ والفَتَاءُ (2)
كُلِّ عَيْرِ مِائَتانِ كَمَرَهُ (3)
فَدْعاءَ قد حَلَبَتْ عليَّ عِشَارِي (4)
وقد قال بعضهم: كَمْ" على كلّ حالٍ منوَّنة. ولكن الذين جرُّوا في الخبر أضمروا مِنْ" كما جاز لهم أن يُضمروا رُبَّ.
واعلم أن قولهم: لاه أبوك. ولقيتُه أمس. إنما هو على: لله أبوك. ولقيته بالأمس. ولكنهم حذفوا الجار والألف واللام تخفيفاً على اللسان. وليس كل جارٍ يُضمر. لأن المجرور داخل في الجار. فصارا بمنزلة حرفٍ