الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي
الجزء ١ · صفحة ٥٥الحروف والأدوات
من
55
وبعد، فإنّ الكتاب) ما بين وصف وتحليل. أمّا الوصف فأمر ميسور نوعا ما، وأما التحليل فيقتضي أن يكون الباحث جزءا لا يتجزأ البيئة اللغوية، وخاصة في ظروف القرن الثاني للهجرة، حيث عاش الخليل وسيبويه. فليس من المعقول أن يُدرك سيبويه في سنوات قليلة مغازي العرب من وراء استعمالاتها اللغوية، ومرادها من تركيباتها اللغوية. من مثل ما جاء في هذا النص من 166/ 4:
(أما كلُّ اسم مُنَوَّن فإنّه يلحقه في حال النصب في الوقف الألف، كراهية أن يكون التنوين بمنزلة النّون اللازمة للحرف منه أو زيادة فيه لم تجئ علامة للمنصرف، فأرادوا أن يفرّقوا بين التنوين والنون. ومثل هذا في الاختلاف الحرف الذي فيه هاء التأنيث، فعلامة التأنيث - إذا وَصَلْتَه التاء، وإذا وقفت ألحقت الهاء، أرادوا أن يفرقوا بين هذه التاء والتاء التي هي من نفس الحرف، نحو تاء القت، وما هو بمنزلة ما هو من نفس الحرف نحو تاء سَنْبتة، وتاء عفريت، لأنّهم أرادوا أن يُلحقوهما ببناء قحطبة وقنديل). فما يدريه أنهم أرادوا في الحالة الأولى أن يفرّقوا بين التنوين والنون، وأنهم كرهوا أن يكون التنوين بمنزلة النّون؟! وما يدريه في الحالة الثانية أنهم أرادوا أن يفرّقوا بين هذه التاء والتاء التي من الكلمة نفسها، فكان ذلك سببا لظهور التاء تارة، وظهور الهاء أخرى؟! فالذي يستطيع أن يصل الى الدوافع وراء السلوك اللغوي، هو من عاش في خضم تلك البيئة اللغوية، وفي وسط المتعاملين بها، وأنه صار يدركها بسليقته، وأن لديه من العبقرية ما يؤهله للوصول الى أعماق الأبعاد النفسية للمتعاملين بتلك اللغة. وكلّ هذا غير متوفّر في سيبويه الذي طرأ على البصرة ومكث فيها عقدين من