الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي
الجزء ١ · صفحة ٧٧الحروف والأدوات
VV
فإن جَعَلْتَ "إي" اسما ثقلته بياء أخرى واكتفيت بها حتى
يصير بمنزلة اسم وابن. فأما قاف وياء وزاي وباء و واو فإنما حكيت بها الحروف ولم تُرِدْ أن تلفظ بالحروف كما حكيت بغاق صوت الغراب، وبقب وقع السيف، وبطيخ: الضّحك. وبنيت كلَّ واحد بناء الأسماء. وقَبَ هو وقع السيف. وقد ثقل بعضهم وضمّ ولم يُسَلّم الصوت كما سمعه، فكذلك حين حكيت لحروف حكيتها ببناء بنيته للأسماء، ولم تسلّم الحروف كما لم تسلّم الصوت. فهذا سبيل هذا الباب.
ولو سمّيت رجلاً بـ"أب" قلت: هذا أبٌ، وتقديره في الوصل: هذا أب كما ترى، تريد الباء وألف الوصل من قولك: اضرب. وكذلك كلُّ شي ء مثله لا تغيّره عن حاله، لأنك تقول أبٌ، فيبقى حرفان سوى التنوين.
فإذا كان الاسم هاهنا في الابتداء هكذا لم يختل عندهم أن تذهب ألفه في الوصل، وذلك أنَّ الحرف الذي يليه يقوم مقام الألف. ألا تراهم يقولون: مَنْ أب لك؟ فلا يبقى إلا حرفٌ واحد فلا يختل ذا عندهم، إذ كان كينونة حرف لا يلزمه في الابتداء وفي غير هذا الموضع إذا تحرك ما قبل الهمزة في قولك: ذَهَبَ أبٌ لك، وكذلك إب، لا يَختلّ أن يكون في الوصل على حرف إذا كان لا يلزمه ذلك في كل المواضع، ولولا ذلك لم يجز، لأنه ليس في الدنيا اسم يكون على حرفين أحدهما التنوين، لأنه لا يستطاع أن يتكلم به في الوقف مبتدأ.
فإن قلت: يُغَيَّر في الوقف. فليس في كلامهم أن يغيروا بناءه في الوقف عما كان عليه في الوصل، ومن ثم تركوا أن يقولوا: هذا في، كراهية أن يكون الاسم على حرفين أحدهما التنوين فيوافق ما كان على حرف.