الوجود الإباضي في الأندلس ليحيى بكوش
الجزء ١ · صفحة ١٨بعد هذه الجولة التاريخية في ربوع الأندلس ، تتبدى لنا صور لأشخاص جمعوا بين روح المغامرة وسيماء الملك ورونق العلم. ونجد أيضاً جماعات ودولاً إباضية ، انتقلت من بلادنا الجزائر بعد أن نشرت فيها روح العدل والإيمان وهذا إن دل على شئ ، فإنما يدل على ما تميز به أسلافنا من قابلية للتعايش السلمي ، وعلى ما تشتمل عليه أصول مذهبهم من عناصر المرونة. فلقد تعايشوا مع معتزلة المشرق ، وفي الأندلس عاصروا المذاهب السنية وفي العراق كذلك ، وفي شمال إفريقيا وغيرها. وتعايشوا مع الملوك في المغرب وفي بلاط قرطبة؛ وطلبوا العلم من علماء لا ينتسبون إليهم . وبرز منهم قادة ممتازون ومحاربون محنكون في ظل الحكام الأجانب وكل ذلك في إطار إسلامي خال من التعصب والجمود وحب الذات والأنانية
وللتدليل على هذا الموقف المتسامح أورد ما كتبه الإمام أبو يعقوب رحمه الله في شأن تطبيق أحكام المذاهب الإسلامية المخالفة للمذهب الإباضي على الرعايا الإباضيين قال:
" وكذلك ما بيننا وبين المخالفين من الأحكام ، أن كنا تحت أيديهم وجرت علينا أحكامهم ، ولو خالفوا في الأحكام مذهب المسلمين (أي الإباضية ) ، كما أن ليس علينا أن نمنع من أحكامهم إذا أجروها علينا في جميع ما لم نقطع عذرهم فيه " .
ويضيف قائلاً :
"وهل يسعنا أن نمنع لهم أن يأخذوا من أموالنا ما وجب علينا من الزكاة والعشر والفطرة ؟
ويجيب بقوله :
" فليس لنا ذلك ويجزئنا عند الله، وليس علينا إعادة" (1).
وأعترف صراحة أني لم أجد في المذاهب الإسلامية من يقف من الإباضية مثل هذا الموقف المتسامح .
ولعل هذه الفتوى الأصيلة تناسب الأحداث التي تتوالى في الجزائر .