الوجود الإباضي في الأندلس ليحيى بكوش
الجزء ١ · صفحة ٢ولكن الأمر تغير عندما قامت دولة بني رستم في المغرب الأوسط وانفصلت عن قاعدة الخلافة ، وعندما قامت دولة بني أمية الجديدة في الأندلس ، فقد ظلت العلاقة بين الأندلس والمغرب الأوسط تتميز بالتعاون في حين كانت تميل إلى نوع من الشدة والحرب الباردة مع أجزاء المغرب الأخرى.
ومما ساعد على سهولة الاتصال بين العدوتين ، ضيق المسافة البحرية التي تفصل بينهما ؛ فالساحل المغربي يكاد يتصل اتصالاً مباشراً بالساحل الأوربي عند مضيق جبل طارق ، حتى لقد أصبح تاريخ الغرب الإسلامي في هذه المنطقة يكاد يتمم بعضه بعضاً من حيث التطور الحضاري ، وحتى أن المؤرخين أطلقوا على كل المغرب والأندلس اسم العدوة إشارة إلى هذه العلاقة. وقد أشار العذري ، المعروف بابن الدلائي في كتابه " ترصيع الأخبار " إلى ذلك بقوله :
" والمسافة بين جبل طارق ومدينة سبتة قريبة جداً ، ويرى الناس سورها ودورها ، ويرون العطارين بها ، وتتحرك السفن بين مرسى الجزيرة الخضراء " الأندلس" عند بزوغ الشمس ، فلا ترتفع رمحين إلا وقد رست بمدينة سبتة" (1)
وبحكم موقع بني رستم الجغرافي المغرب الأوسط ، وبحكم الظروف السياسية التي وجدوا فيها، فإنهم اضطروا إلى اللجوء شطر الأندلس نحو بني أمية ، وعقدوا معهم تحالفاً ودياً ، وذلك لأنهم كانوا يتوسطون بين عدوين : الأغالبة من جهة المشرق ، وهم حلفاء بني العباس ، الأدارسة من جهة المغرب ، وهم علوييون ، والخصومة كانت قائمة على أشدها بين العباسين وحلفائهم الأغالبة ضد بني أمية في الأندلس ، وبين هؤلاء الحلفاء ضد بني رستم ، باعتبار إن كلاً من الأمويين والرستميين يعتبرون انفصاليين وخوارج ومغتصبين للسلطة.