الوجود الإباضي في الأندلس ليحيى بكوش
الجزء ١ · صفحة ٣ومن جهة أخرى ، فإن الأمويين وجدوا عند الرستميين فرصتهم السانحة لتحقيق أهدافهم ، فلم يترددوا في الاستجابة إلى رغبة بني رستم في إقامة التحالف المقترح ، لأن البناء السياسي للإمارة الأموية الجديدة من طبيعته انه لا يطمئن إلى دولة الأغالبة التي تمثل الخلافة العباسية عدوة البيت الأموي ، ولا إلى دولة الأدارسة الممثلة للبيت العلوي الحانق على الأمويين .
وصارت السبل بذلك مسدودة أمام هذه الإمارة الأموية الفتية من ناحية المغرب الأدنى ، حيث يوجد الأغالبة ، ومن ناحية المغرب الأقصى حيث يوجد الأدارسة ، ولم يبق أمامها مما يربطها بالعالم الإسلامي إلا ذلك الجسر الذي تعبر منه إلى المغرب بشقيه عن طريق الدولة الجزائرية الإباضية في تاهرت (2).
ويؤكد المؤرخ الأندلسي الكبير ، أبو حيان في كتابه " المقتبس " على ما توليه الدولة الأموية من أهمية للعلاقات التي تربطها مع دول المغرب العربي فيقول :ـ
"كان الأمير محمد بن عبد الرحمن شديد الاهتمام بخبر الساحل والعدواة مراعياً لما هناك من أخبار أعدائهم المسودة (أي العباسيين) متجسساً عن عمالهم محتولأً عنهم لكثير ممن يتعرف عليهم من ملوك البربر الملقين إليه بالولاية كبني مدرار، سجلماسة ، ومحمد بن أفلح بن رستم أمير تاهرت وغيرهم ، فلا تزال رسله وكتبه تتردد إلى هذه الطوائف في البحث عن أخبار بني العباس بدار مملكتهم وأخبار ولاتهم وعمالهم بالشام ومصر وإفريقيا ، فلا يكاد يغيب عليه شيء من جلائلها" (3).
وهكذا ، وفي إطار هذه العلاقة المتوطدة بين الأندلس والمغرب ، وجدنا المبادلات نامية بين الدولتين الرستمية والأموية ، ليس ذلك إطار النشاط المذهبي فحسب ، بل في إطار التقارب السياسي والحضاري ، وخاصة من أجل الوقوف أمام العدو المشترك .