الغرر اليسير ضوابطه وصوره
الجزء ١ · صفحة ٤٥الفصل الثاني: ضوابط الغرر اليسير وصوره
أن هذه معضلة لا ضابط لها على وجه التحديد، فكل ما نجد الفقهاء يرددونه هو مثل هذه العبارات اليسير معفو عنه، النقص اليسير مغتفر، القليل لا يؤثر، القليل مع الكثير كالعدم، وقد نجدهم يضربون لذلك الأمثلة المختلفة المتفاوتة، دون أن يتأتى لهم وضع حد معين، أو نسبة عددية معينة، لما يغتفر ويعفى عنه ويتجاوز عنه، من النقص اليسير والخلل القليل، بل نجدهم أحيانا يصرحون أن هذا الأمر لا ضابط له» (1).
ولا يفهم من عسر ضبط المقدار أن يهمل أو يترك؛ إنما يجب أن يقرب بقدر الإمكان وقد أشار إلى هذا المعنى العز بن عبد السلام (2) حينما ضابط المشقة قال: لا وجه لضبط هذا وأمثاله، إلا بالتقريب
تحدث
عن
فإن ما لا يحد ضابطه لا يجوز تعطيله ويجب تقريبه تحصيلا لمصلحته ودرءا لمفسدته» (3)، وهذا الاختلاف في تحديد مقدار القلة والكثرة لم يكن في الغرر فحسب؛ إنما في كثير من الأحكام الشرعية، ويرجع الشاطبي سبب هذا الاختلاف إلى عدم وجود نص صريح في تحديد القليل والكثير؛ فيقول:
(1)) أحمد الريسوني: نظرية التقريب والتغليب وتطبيقاتها في العلوم الإسلامية، دار الكلمة، القاهرة-مصر، ط 4: (1435 هـ / 2014 م)، ص: 305.
(2)) هو: عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، عز الدين الملقب بسلطان العلماء، ولد سنة (577 هـ/ 1181 م) بدمشق ونشأ فيها، فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد، تقلد عدة مناصب منها: الخطابة والتدريس والقضاء. توفي بالقاهرة سنة (660 هـ/1262 م). من أهم آثاره التفسير الكبير، والالمام في أدلة الاحكام و قواعد الاحكام في إصلاح الأنام. ينظر: الزركلي: الأعلام، 21/ 4.
(3) العز بن عبد السلام قواعد الأحكام،12/ 2، واعتبرها بعض الباحثين من القواعد الفقهية المقررة، وصاغها بهذه العبارة: كل ما لا يحد ضابطه لا يجوز تعطيله، ويجب تقريبه تحصيلا لمصلحته ودرءا لمفسدته»، يوسف صلاح الدين طالب، العفو عند الأصوليين والفقهاء يتضمن دراسة تأصيلية تطبيقية لمرتبة العفو عند الإماممين ابن تيمية والشاطبي،
دار النوادر، 342
39