حق الجوار في الإسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١١هذا وحقوقُ الجيران حقوقٌ جَمّة، فإنّ الحديثَ دَلَّ على أنّ الجارَ لا يُطالَب بأن يَكُفَّ أذاه عن جارِه فحسْب، بل يُطالَب بِأن يَحتمِلَ أذى جارِه .. مَن كان له جارٌ وكان جارُه يُؤذِيه فلا يُعامِلْه بِالمِثل، بل يُطالَب بِأن يَحتمِل أذاه، وذلك مِن حُسْنِ الجوار، كما كان مِن الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - نفسِه، عندما كان يُحْسِن معاملةَ جيرانِه، حتى اليهود، مع ما هو معلوم أنّ مِن شأنِ اليهودِ الإساءة، فقد كانوا يَتربَّصون بِالنبي - صلى الله عليه وسلم - الدوائِر ويَكيدون له المكائِد ويُضمِرون السوءَ لِلإسلام ولِلمسلِمين معا ولكن مع ذلك الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - عاملَهم مِن حيثُ الجِوار بِحُسْنِ المعاملة.
وقد جاءت رواياتٌ عن الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وهي وإن كانت رواياتٍ لا تَخلو مِن مقال إلاّ أنّ المسلِمين تَلَقَّوْها بِالقَبول وعَمِلُوا بِها .. تُفيدُ هذه الروايات أنّ لِلجيران حقوقًا متعدِّدة:
مِن ذلك أنّ لِلجار إن مَرِض أن تَعودَه، وإن ماتَ أن تُشَيِّعَ جنازتَه وإن استقرضَك أن تُقرِضَه إن كان ذلك في وُسْعِك، وإن طَلَبَ منك حاجةً أن تَقضِيَها له، وأن تُواسِيَه في مصيبتِه وأن تُشَارِكَه في مسَرَّتِه إلا أنّ العلماءَ استثنوا مِن هذين الأمْريْن الأخِيرَيْن ما إذا كانتْ مصيبتُه بِسبب انتصارِ الإسلام وظهور الإسلام وظهور الحق، فإنه لا يُواسَى في مثلِ هذه الحالة، إذ في المواساةِ تَوْهِينٌ لأمْر الإسلام، فالجارُ إن كان كافِرا مثلا أو كان فاجِرا ويُساءُ بِانتصارِ الحق وظهورِ كلمةِ الله-تبارك وتعالى-فلا يُواسَى، فكذلك إن كانتْ مسَرَّتُه بِسبب انتصار الباطل على الحق وظهورِ الكُفْرِ على الإسلام فإنه في هذه الحالة لا يُشارَك في هذه المَسرَّة، لِما في هذه المشارَكة مِن تَوْهِين أمْر الإسلام والمسلِمين، وإنما يَقِفُ الجارُ المَوْقِف الواجب.