حق الجوار في الإسلام أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

حق الجوار في الإسلام لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١٤

وهناك قول آخر وهو أنّ هذا مِن باب المُرافَقَة مِمّا بيْن الجيران، وأنه لو امتنَع لا يُلْزَم، وهذا القول مروِي عن الإمام مالك بن أنس والإمام أبي حنيفة وقد انتقدَ الإمام الشافعي كما يُروَى عنه .. انتقَدَ على الإمام مالك أنه هو الذي أَخرَجَ في " المُوَطَّإ " قِصّةَ محمّدِ بن مَسْلَمَة وجارِه وما كان مِن عمر-رضي الله تعالى عنه-مِن التّشَدُّدِ في ذلك وهذا مِمّا يَدلّ على أنّ العملَ بِذلك ولكنه لم يَأخذ بهذا الرأي، وأجاب ابن عبد البَر عن هذا بِأنّ الإمامَ مالِكًا له سَلَفٌ في ذلك، وهو محمّد بن مَسْلَمَة، فرأيُ عمر - رضي الله عنه - لم يُجمَع عليه، وإنما ما حَصَلَ مِن خلافٍ بيْن الجاريْن يَدلُّ على اختلافِ الصحابة في حكمِ هذه المسألة.

وذهب أصحابُنا إلى أنه مِن حيثُ الوجوب ذلك حقٌّ واجِب ولكن قالوا بأنه لا يُحكَم به؛ وأنا أَعْجَبُ مِن هذا الرأي .. كيف هو حقٌّ واجِبٌ والحديثُ حسب رواية الإمام الربيع-رحمه الله-يَدلُّ على الوجوب كيف لا يُحكَم به ما دام ذلك حقّ ؟! ففي الحديث: ( لا يَمْنَعْ أحدُكم جارَه أن يَغْرِزَ خشبةً في جدارِه، فإنّ ذلك حقٌّ واجِبٌ عليه )(1) .. هذا الحديث صرِيح-كما نراه-في أنّ هذا ليس مِن باب المُرافَقَة فقط، بل هو حقٌّ واجِبٌ على الجار لِلجار، وبِما أنّه حقٌّ واجِبٌ لِلجارِ على الجار فعندما يكون تَقاضٍ ما بيْن جاريْنِ يُحْكَمُ لِلجارِ بِموجِبِ ما يَقتضِيه هذا الحُكم.

ونَجِد أنّ الفقهاءَ عوّلوا على هذا الحديث واستطرَدوا في كثيرٍ مِن الأحكام التي هي قريبةٌ مِن هذا الباب وذلك مِن بابِ القياسِ الجَلِي:

(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (49) الضيافة والجوار وما ملكت اليمين واليتيم:

حديث رقم 689: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يَمْنَعْ أحدُكم جارَه أن يَغْرِزَ خشبةً في جدارِه، فإنّ ذلك حقٌّ واجِبٌ عليه ).

١٤ / ١٩