حق الجوار في الإسلام أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

حق الجوار في الإسلام لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١٦

ومنهم مَن قال: الجِوار لا يكون إلا بِمقدار بيْتيْن.

ومنهم مَن قال: بِمقدارِ ثلاثة في كل جهةٍ مِن الجهات.

ومنهم مَن قال بأنّ الجارَ مَن واجهَك في دخولِك وخروجِك في دارِك، فمَن كان مُواجِها لكَ في دخولِك وفي خروجِك فذلك الجار.

وهناك قولٌ أَوسَع مِن هذه الأقوال كلِّها، وهو أنّ أهلَ القريَة أو أهلَ المدينة الذين يَعيشون في قريةٍ واحدة أو في مدينةٍ واحدة هم كلُّهم جيران وبينهم حقوق الجِوار، وأصحابُ هذا الرأي استنَدوا إلى حُجّةٍ مِن الكتابِ العزيز، ذلك أنّ الله - سبحانه وتعالى - يَقول لِنبيه - صلى الله عليه وسلم - : ﴿ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا ﴾ [ سورة الأحزاب، الآية: 60 ] .. ﴿ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا ﴾ أي لا يَعيشون في هذه المدينة، ومعنى ذلك أنّ مَن كان يَعيش في نفسِ المدينة فهو جار، وهذا القول وإن كان فيه تَشدُّد إلا أنه مِن حيثُ الدليل مِن حيثُ إِطلاق الجوار نَفهَم أنّ الجارَ مَن سَاكَنَ الإنسانَ في المَحَلَّة أو في المدينة أو في القرية بناءً على ما تَدلُّ عليه هذه الآية الكريمة.

والجارُ-كما قلنا [ ص3 ]-هو أَقدَر على نَفْعِ جارِه وعلى الإضرارِ بِجارِه فلذلك شَرَعَ الإسلامُ ما شَرَعَ مِن هذه الحقوق، والناس عندما كانوا قائمين بِها مُوفِّينَ بِما يُمكِنهم أن يُوَفُّوا به منها كانت حياة المسلمين حياة هناء .. حياة استقرار، وكان غير المسلِم يَجِد-أيضا-في بلادِ الإسلام ما يَجِده في كَنَفِ المسلِمين مِن الرِّعاية ومِن حُسْنِ الجِوار ولكن المَدَنِية الحديثة غَزَت هذه الأمّة وشَغَلَتْهم بِالمَادّيات عن المَعنويات فتَشَاغَلوا عن كثير مِن هذه الحقوق، وهذه مُصيبَة مُشترَكَة ما بيْن الأمّة وخصوصا في المُدُن.

١٦ / ١٩