الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٥والغموم؛ سلم الأمور ولدي لخالق الأرض والسماء وما فيهن وما تحت الثرى؛ واصبر وما صبرك إلا بالله؛ وتوكل عليه وفوض أمرك إليه؛ واتقه حق تقاته ليجعل لك من جميع أمورك المخارج لقوله عز وجل (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) فالله الله ولدي في سياسة الملوك، لا تكن غافلا ولا مهملا لأمورك فإنك ركبت الخطر العظيم والهول الفظيع الجسيم، فلا تلتفت ولدي إلى الدنيا ونعيمها وغضارتها، فإنها لعب ولهو وزينة وتفاخر؛ لا توازن عند الله جناح بعوضة، فاجتهد في ذلك واقتد بإخوانك الماضين؛ حيث تركوا الدنيا لأهلها، وبذلوها لطلابها وتوكلوا على الله حق التوكل، ولم يقصروا جهدهم في الله وإعزاز دينه وإظهار كلمته وإخماد نار البدع وإماتة الباطل وقتال الباغي العاطل؛ فلم تخدعهم الدنيا بغرورها ولم يعدلوا إلى لذتها وسرورها؛ حتى تركوها وراء ظهورهم وقذفوا حبها من صدورهم، هم الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأنفقهم مما رزقهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور.
فكن ولدي حيث ظني بك، وامتثل أمرك وراع فقراءك حق الرعاية، وألف بين إخوانك وأصفيائك وخلانك، وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون فاطرح ولدي حب الدنيا ومطامعها من قلبك، واجتهد في طاعة ربك وخذ حذرك وقو عزمك وصبرك، وكن مثل الأسد في ذلك الغار، ولا يكن نظرك في راحتك اليوم، فإنك لدينا اليوم مكين أمين؛ والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه الأمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.