الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٧واعية؟ وإن فجائع الأحكام صائبة، فهل نفس لعجائبها مراعية، وأن مطامع الآمال كاذبة، فهل همة إلى التنزه عنها داعية، وأن طوالع الآجال واجبة، فهل قدم إلى التزود من الدنيا ساعية، ألا فاسرحوا رحمكم الله ثواقب الأسماع والأبصار في جميع الجهات والأقطار؛ هل ترون في دموعكم إلا الشتات، أو تسمعون في ربوعكم إلا فلانا قد مات؛ أين الآباء والأكابر أين الأبناء الأصاغر؛ أين المعين للظاهر، أين النصير المظافر، قد عثرت بهم والله الجدود والعواثر، وبثرت أعمارهم الحادثات البواتر، وأبادتهم الدهور الغوابر، فذوت من شبابهم الأغصان والنواضر، وخلت من شيوخهم المشاهد والمحاضر؛ وعدمت من أجسامهم تلك الجواهر، وطفئت من وجوههم الأنوار الزواهر، وابتلعتهم الحفر والمقابر، إلى يوم تبلى السرائر فلو كشفت عنهم أغطية الأجداث بعد يومين أو ثلاثة؛ ما رأيتهم الأحداق على العيون سائلة؛ والألوان من ضيق اللحود حائلة؛ والأبدان العفنة من البلا قاحلة، والرؤوس الموسدة على الإيمان زائلة، وهوام الأرض في نواعم الأجسام جائلة؛ ينكرها من كان بها عارفا، وينفر عنها من لم يزل لها آنفا؛ رقودا في مضاجع هم فيها داخلون؛ مهمودا في مصارع يفضي إليها الأولون والآخرون، وأنتم عباد الله الخلف للسلف والهدف للتلف؛ والفروع التي قطع الموت أصولها، والجوع التي انتزع الدهر تحويلها؛ وقد تسمعون داعية العويل في كل منزل وسبيل حقا ليس بالكذب، جدات ليس باللعب، حتى كان منادي الحشر قد أمر فيكم بالنداء، ومنع أن يقبل منكم عرضا أو فداء؛ فسمعا يا بني الأموات لداعي آبائكم سمعا، وقمعا بذكر هاذم اللذات قمعا، وقطعا لرجاء بقائكم لدار الفناء قطعا، أسوة بمن كان قبلكم ممن هو أشد قوة وأكثر