بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ١٤ونلحظ في هذه التخريجات وغيرها أريحية التقييد والتصنيف والاشتراط والانتقاء تحكما، ومن دون حرج التقول
على الله تعالى ولا يجد حرجا في تجاوز المعاني العملية التي أجمعت الأمة عبر أجيالها على فهمها وتطبيقها نقلا متواترا من عهد النبيء الأسوة، بل إنه غير معني بذلك كله ولا بحدود اللغة المسموعة المنقولة إجماعا وتواترا، وإنما كل ما في الأمر أن يختار من المعاجم أي معنى يتسق مع نموذجه ولو كان شاذا، ثم يضع للآيات معان وقيودا تحكمية، ويرجح
من غير مرجح، ولا يتجرأ أحد من رواد هذه القراءات البائسة فعل ذلك مع منظومات القانون الوضعي البشري. وجلي أن الغرض النهائي هو إنتاج نظرة للوحي تفرغه من سلطته على الواقع، فيغدو مجرد نص هلامي ذليل أمام سلطة الواقع يشكله حسب تغيراته وأهوائه حتى إنك لتعجب من آيات الوعيد الكثيرة التي تملأ هذا الوحي، ماذا يبقي لها من مفعول وحكمة إن كان مفهوم مخالفة الوحي نفسه أصبح مفهوما غير قائم، فكل التطبيقات الممكنة يمكن تطويع النص الذليل لها وفق هذه المنهجية، فيمكن أن نحكم بعدم مشروعية الصلاة المعهودة لأن المقصود بالصلاة هو الدعاء، وأن نقضي بعدم وجود فريضة الزكاة لأن الزكاة بمعنى الطهارة فكل ما يمكن أن يكون طهارة للنفس اعتبر زكاة، سواء أكان بالإنفاق أو باليوجا! ويمكننا بهذه المنهجية أن نقول أقوالا في جميع أركان الدين بل حتى في التوحيد والشرك، ولكن وعيد الاستهزاء بالآيات يحجزنا عن ذلك حتى من باب الإلزام بالحجة، وصدق الله تعالى في وصف مثل هذا التلبيس بلفظة اللي: "وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" [آل عمران: 78].
ختاما
أتوقف عند هذا الحدّ تفاديا للتطويل، وهذه عينة بسيطة من كمية الاضطراب المنهجي التي يقف عليها القارئ الواعي لهذا المؤلف، وهي عينة حاولت الاقتصار فيها على ما يتعلق بالمنهج دون تطبيقاته، ولو تتبعنا مزالق الكتاب جميعها لاحتجنا لمؤلف بطول كتابه أو يزيد، وليس الغرض من هذا المقال إلا بيان نماذج من الاضطراب المنهجي الكلي وليس التتبع الاستقصائي، وإن القراءة لكتاب شحرور الكتاب والقرآن مرهقة ليس لصعوبة مفاهيمه وعمقها، وإنما لعدم منطقيتها وانسجام منهجها، فهو في غالبه تجميع اعتباطي للمفاهيم، واقتراحات تحكمية، وتفسيرات ذاتية لا يضبطها مسار منهجي صلب يمكن أن تحاكمه إليه، فالقارئ يجد نفسه أمام هلامية مائعة تغرق ناقدها، فهي أقرب لقراءة ذاتية للمؤلف، لا تصلح أن تكون منهجا لرؤية كونية موضوعية أو لقانون اجتماعي محكم يتشارك عليه العقلاء. وحتى لا نبخس الكاتب حقه، فإنه من الجلي أنه أنفق جهدا معتبرا في صياغته، ولكنه للأسف لم يكن جهدا متجردا يقف فيه أمام الوحي متعلما باحثا عن مراد الله تعالى الحق، وإنما كان جهدا منحازا لخطة مسبقة، فكان إقحام الوحي في قالب تلك الخطة الجاهزة مرهقا ومضطربا، وإن كنا نتفق مع الكاتب في عديدٍ من نقاط نقده لنتاج التراث الإسلامي، فهو تراث إنساني غير معصوم؛ ولكننا نأسف من تذرعه بهذا النقد ليأتي على أصول وأركان كبرى للإسلام والوحي تواتر رسوخها لدى علماء الأمة قاطبة، وربما يكون هذا التفكيك الأهوج مجرد ردة فعل غير مدروسة تجاه واقع
14