بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ٢ولا يَسْلم الكاتب من إظهار أيديولوجيته القومية والماركسية المادية في تصوراته وتأويلاته، فنزعته الأيديولوجية للقومية العربية بارزة في بعض أنحاء كتابه (مثلا ينظر: ص 39 (62)، كما يكشف عن تصوره الماركسي في المعرفة القائم على مادية العالم وعدم الاعتراف بأي شيء لا مادي لا تدركه الحواس (مثلا: ص 42، 43)، ذلك المنهج الذي استصعب عليه الإيمان بالخلق من العدم، فبعد كلامه عن المنهج المادي يظهر إيمانه بنظرية الانفجار العظيم، وأن ذلك الانفجار نفسه نشأ عن مادة أخرى ذي طبيعة خاصة، وأن هذا الكون سينفجر مرة أخرى وينشأ منه كون آخر يسمى اليوم الآخر (ص 43)، على منهج قانون "نفي النفي" في الفلسفة الماركسية. وفي سبيل الالتزام بمنهجه المادي يقرّر أن كلام الله تعالى هو الحقيقة الموضوعية المتجسدة في الكون، وهو ما أن علم الله تعالى هو نفسه الوجود، ثم يصل إلى نتيجة بالتعدية أن الوجود الموضوعي خارج الوعي هو الوجود الإلهي"، وهو تصوّر أقرب إلى عقيدة الحلول ووحدة الوجود! (ص 72)، ولذلك نجده يستشكل أن يقال: "قال الله: أن الصلاة قول الله تعالى وبالتالي هي ناموس كوني قاهر! (ص 78).
يعني
صلوا"، لأن ذلك واتساقا مع توجّهه المادي نجده كذلك يعمل على إعطاء الروح معنى خاصا ليتناسب مع تطوّر الإنسان من حيوان، ويعطي لمصطلح "بشر" معنى خاصا قبل إنساني، رغم أن القرآن الكريم في جميع استعمالاته للمصطلح كان بالمعنى الإنساني العاقل، ويفترض أن نفخة الروح هي التي حولت الإنسان من البشر الحيواني إلى المخلوق الإنساني (ص 106)، رغم أن آيات نفخ الروح تشير بوضوح إلى أن الروح حولته من الهيئة الطينية الجامدة إلى الحياة،
تماما كما فعل سيدنا عيسى - بإذن ربه- لما حوّل هيئة طينية للطير إلى طائر فيه حياة بالنفخ فيها. ويمتد هذا التحليل الماركسي المادي إلى النسبية الأخلاقية، فيعرف الذاتي في سياق الأفعال الشرعية بأنها الأشياء التي تذهب مع ذهاب الإنسان فإن مات ذهبت معه أعماله وذهبت الأحكام الشرعية (ص 105)، ليلقي في وعي القارئ أن الوجود المثالي للفكر والأخلاق مجرد أوهام ذاتية غير موضوعية وسنعود لهذه النقطة بمزيد من التفصيل لاحقا.
فهي خطة معلنة لتشكيل الوحي وفق رؤية كونية جديدة تتفق مع أفكار الكاتب ونظرته للكون والحياة والمجتمع، وذلك من خلال انتهاج أسلوب تأويلي يعمل على الانتقاء اللغوي، إذ إنه يقرّر بوضوح أن مهمة التأويل هو تطويع المحتوى القرآني لما أدّى إليه البرهان العلمي وفق البحث المادي (ص 43)، وفي سبيل هذه الخطة سينتهج كل سبيل عوج من تلفيق وانتقاء وتكلّف كما سنبين تباعا إن شاء الله تعالى، فأين المنهج السليم في هذا السبيل، رغم أنه ينعي على الكتاب المسلمين عدم انتهاج المنهج العلمي الموضوعي في دراسة آيات الكتاب الموحى دون عواطف! (ص 30).
منهجه التأويلى
في سبيل تنفيذ هذه الخطة المعلنة ينتهج المؤلف منهجا تأويليا يتمحور حول مبدأ عدم الترادف، ليصل إلى تصنيف موضوعي للآيات تحت مسميات خاصة، ويعطي لكل مسمى دلالات معينة، وهذه العملية ستسهل عليه لاحقا التعامل مع الموضوعات بطريقة كلية يغلب عليها الاعتباط والتحكّم والقفز من غير دليل كما سنبين بإذن الله تعالى.
2