بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ٣فمصطلح "الكتاب" حسب تأويله قسمان: "آيات محكمات"، وأخر متشابهات، ويقرّر من غير بينة ولا دليل أن مجموع الآيات المحكمات هي الأحكام، ثم يستنتج أن صيغة "أُخر" بالتنكير تدلّ على أنه ليس كل الآيات غير المحكمة متشابهة وإنما فيها نوع لا محكم ولا متشابه، ليختار أن يطلق على هذا الصنف الثالث –ومن غير دليل كذلك اسم تفصيل الكتاب"، ويفترض أنها مصداق قوله: "وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ" [يونس: 37]، ثم يقسم المتشابه ومن غير دليل أيضا إلى السبع المثاني والقرآن العظيم ليكون مصداق قوله تعالى: "وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ" [الحجر: 87]، ثم يأتي لمصطلح "القرآن" ليقرّر أنه متعلق بالآيات الكونية والحقائق الموضوعية، وهو جزآن "قرآن مجيد" هكذا بالتنكير! -: ويشمل الحقائق الكونية الثابتة كقانون الانفجار العظيم وقانون التطوّر والجنة والنار، والجزء الآخر إمام مبين": ويحتوي بدوره على جزئين: "كتاب مبين": وهو أحداث الطبيعة وظواهرها وهي متغيرة، و"الكتاب المبين": أحداث التاريخ والقصص القرآني، نعم "كتاب مبين" يختلف عن "الكتاب المبين" عنده! (ص 80 - 81). وبعد رسم هذه الخارطة الاعتباطية يقرّر أن الآيات البينات هي آيات "القرآن" وهو الجزء الخاص بغير الأحكام، فحيثما قرأت وصفا بالبينات فهو وصف الجزء من المصحف وهو الخاص بالآيات الكونية، على ما تقترحه قسمة الشحرور للآيات وتصنيفه لها، وينتقي لتبرير هذا الحصر بعض الآيات ويهمل آيات أخرى صريحة مثل قوله تعالى: "وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ. وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت: 47 - 49]، فالله يصف "الكتاب" بالتعريف بأنه آيات بينات، فرغم أن الكاتب يقرر أن "الكتاب" بالتعريف يضم جميع آيات المصحف إلا أنه لا يستنكف أن يحصر التبيين في الآيات الكونية فقط، ثم يقفز من غير بينة إلى استنتاج عام أن آيات الأحكام ليس فيها بيان ولا إعجاز (ص 83 -
(84
ويبدأ عملية التقسيم هذه من تحليله اللغوي لمادة "كتب"، على أنها بمعنى تجميع فروع موضوع معين، ليصل من ذلك إلى أن كتاب الوحي عبارة عن تجميع جملة من الكتب مستدلا بقوله تعالى: "رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة بمعنى موضوعات مختلفة، ويقرّر بأن جميع الظواهر الكونية والإنسانية هي كتب، ويستنتج من ذلك أن قوله تعالى: كتاب أحكمت آياته لا تعني جميع آيات المصحف وإنما مجموع الآيات المحكمات، وقوله تعالى: "كتابا متشابها" يعني مجموع الآيات المتشابهات، والنتيجة أن كلمة "كتاب" في الوحي لا تعني جميع آياته، وإذا أتت كلمة "الكتاب" معرّفة فهي تعني مجموع كتب الوحي (مواضيعه)، وهي على نوعين: كتاب نبوة تعنى بذكر الآيات الكونية والوجود الموضوعي، وكتاب رسالة يشتمل على أحكام السلوك الإنساني (ص 51 - 54).
واعتبار ورود "كتاب" منكرا بمعنى جزء من الوحي أو موضوع من مواضيعه فيه تكلف بالغ لا تتحمله صيغ وروده في الوحي، فلما يقول الله تعالى مثلا: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى
3