بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز: قراءة في فكر محمد شحرور أبو نصر بن محمد بن عمر شخار

بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز- غير مفهرس

الجزء ١ · صفحة ٧

وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ" [البقرة: 35]، وقوله: "قُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ" [النساء: 154]، وغيرها، ويبدو أن التكلّف قد أرهق الكاتب كما القارئ!

هي

فقط

وهذه الانتقائية أمر منتشر في كتابه فهو مثلا يقرّر من غير استقراء للآيات أن وصف "البصائر" للآيات الكونية والنواميس الموضوعية، ويستدل لذلك بكون الوحي وصف آيات موسى بالبصائر، فيستنتج بسرعة من ذلك أن البصائر تنطبق فقط على جزء من الكتاب، فيكون على تفسيره للبصائر وللقرآن أن مقصود قوله تعالى: "قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" [الأعراف: 203 - 205] هو جزء من المصحف فقط، وهي الآيات المتعلقة بالكون والنواميس، أما آيات الأحكام فغير داخلة في هذا (ص 84 - 85)، ولكن هذه الآية نفسها ليست من "القرآن" لأنها أمر تكليفي! كما يهمل كليا آيات أخرى تنقض استدلاله الأول كقوله تعالى: "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ " [القصص: 43]، والتي تصف بوضوح الكتاب المنزل على موسى

الحقت

كله بالبصائر، وبعد هذا التحليل الناقص المتعجّل يقفز إلى الأسف على التفسيرات الكونية الخاطئة التي بالقرآن، وكأن تلك التأويلات ما كانت لتحصل لو عرف المفسرون الأوائل تقسيمه الاعتباطي هذا؟ ويجد نفسه بمنهجه الانتقائي المضطرب حائرا أمام قوله تعالى: "وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيل" [آل عمران: 48] في شأن النبي عيسى عليه السلام، فيضطره منهجه القاضي بالتغاير في الذات بين المعطوفات إلى القول أن الكتاب هو تشريعات موسى وعيسى عليهما السلام، أما التوراة والإنجيل فخاصة بالنبوة وليس فيها تشريع، وهذا مخالف لما عرف به "الكتاب" الموحي إلى محمد -عليه الصلاة والسلام-، فيضطر إلى القول -تحكما واعتباطا- أن "الكتاب" بالنسبة لمحمد يعني التشريعات + النبوات، وأما بالنسبة لموسى وعيسى فهو التشريع فقط (ص 136)، ويتجاهل آيات كثيرة تناقض هذا التوجه كليا، وتنص على احتواء التوراة والإنجيل على الأحكام، ومن ذلك قوله تعالى: "وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ" [المائدة: 43]، وقوله: "إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِمَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء" [المائدة: 44]، وقوله: "وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" [المائدة: 47]، وقوله: "وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ" [المائدة: 66]، وقوله: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ" [التوبة: 111] وغيرها، ولكن يبدو أن الكاتب ليس معنيا بمراد الله تعالى بقدر ما هو معني بتأكيد نظريته بأقل قدر ممكن من القرائن والأمثلة القرآنية أو بالأحرى الكتابية ولو خالفتها البينات القرآنية

الكثيرة.

من

أمثلة التعميمات الانتقائية أنه يرى أن كلمة "الجعل" مختصة بالقرآن فقط، والقرآن –حسب فهمه- لا أحكام فيه، رغم أننا نجد قوله تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" يناقض تلك النتيجة، ثم يستعمل تخصيص

7