بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ٩ولو تواضع الشحرور لمن يعتبره من أئمة اللغة لوجد بيانا فخما لمعنى لفظة "القرآن" عند ابن فارس لما يقول: " (قري) القاف والراء والحرف المعتل أصل صحيح يدل على جمع واجتماع، من ذلك القرية، سميت قرية لاجتماع الناس فيها" إلى أن بيّن العلاقة الدلالية بين ذلك الجذر واسم "القرآن" إذ يقول: "سُمّي بذلك لجمعه ما فيه من الأحكام والقصص وغير ذلك، فترى أن المعنى في أصله اللغوي يدل على الجمع والتركيب، ولكن شحرور يستخدمه للتفكيك والتقسيم والتشتيت والتفتيت، فمن هو الحجة الذي يمكن الوثوق بفهمه البياني؛ ابن فارس الذي ألف روائع في اللغة والبيان، أم شحرور الذي لا يكاد يقيم فقرةً فصيحة سليمة التركيب في محاضراته؟
411
منهجيته في تهميش آيات الأحكام الشرعية
لقد كان واضحا منذ البداية أن خطة الكاتب هي عزل آيات الأحكام عن غيرها من الآيات، وإحاطتها بأوصاف وتصورات خاصة بغرض الالتفاف على قدسيتها وتعاليها على الزمان والمكان ليصل إلى حل ما يسميه - الأزمة الفقهية عند المسلمين. ففي
مخططه التجزيئي لآيات الوحي يفصل بين الآيات الكونية وآيات الأحكام، ويعتبر أن مصطلح "القرآن" في الوحي ينطبق فقط على الآيات الكونية، ليصل بهذه القسمة إلى إبعاد آيات الأحكام عن أي صفة أُطلقت في الوحي على "القرآن"، وهي خطوة كبيرة تجاه تجريد آيات الأحكام عن قدسيتها، وكان منهجه انتقائيا في تثبيت هذه التجزئة المفترضة، ومن ذلك قوله بأن "القرآن" هدى للناس وليس للمتقين، وبالتالي فهو خاص بغير آيات الأحكام، وجلي أن هذه النتيجة لا تستقيم، أولا لأن الله تعالى لا يقتصر على مخاطبة المتقين فحسب في سياق الأحكام الشرعية، فيقول تعالى مثلا بعد بيان بعض أحكام الصوم والاعتكاف: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" [البقرة: 187]، ويقول: "وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" [البقرة: 221]، ويقول: "جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ" [المائدة: 97]، ومثل ذلك افتتاح سورة النساء بالنداء للناس وأمرهم بعدة أحكام شرعية، كما أن مصطلح "القرآن" يأتي أحيانا في السياق الخاص بالمؤمنين والمتقين كقوله تعالى: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا" [الإسراء: 9]، وقوله تعالى: "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيد"، وقوله تعالى: "قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" [الزمر: 28]، وقوله: "طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ. هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ" [النمل: 1، 2]، وغير ذلك، فهي
قسمة انتقائية لا يسندها استقراء الآيات.
ابن فارس مقاييس اللغة، ج 5، ص 78 - 79.
9