بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ١٠أمثلة
ويسلك الكاتب كل مسلك لأجل تبرير هذه التجزئة الاعتباطية ونفي انتماء الأحكام لـ"القرآن" ذلك تفسيره لقوله تعالى: "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِي"، بمعنى عند الكاتب- ألو جعل الله تعالى الآيات الكونية بلغة أعجمية لقالوا لولا فصلت آيات الوحي بعضها عن بعض ليكون "القرآن" وحده وآيات الأحكام وحدها وللوصول إلى هذا الفهم كان عليه أن يتخيّر بطريقة تحكّمية عوائد الضمائر في الآية، فيرى أن الضمير في "جعلناه" يعود لمتأخر عنه وليس المتقدم، ويختار أن يعود الضمير في "آياته" لاسم أبعد من "القرآن" وهو "الذكر" المذكور قبل ثلاث آيات في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزُ"، وبعد هذا التحكّم غير المنسجم يتكلم عن "الوهم الكبير الذي وقع فيه المفسرون"! (ص 119).
ومن
أمثلة هذه المنهجية المضطربة في نفي انتماء آيات الأحكام إلى ما يسميه "قرآنا" قوله بأن سورة التوبة سورة محكمة، لأنها سورة للأحكام فقط، وهي لا تبدأ بالبسملة، لأن البسملة فيها اسم "الرحمن"، والله يقول: "الرحمن علم القرآن"، وفعل "علم" هنا لا يعني التعليم وإنما العلامة، أي جعل الله تعالى اسم "الرحمن" علامة لوجود "القرآن" في السورة! وبما أن التوبة كلها أحكام وبالتالي لم ترد فيها البسملة، وأنت ترى هذه الجرأة والأريحية في التلفيق اللغوي والربط التحكمي غير القائم على أي دليل إلا بعض التشابهات والتكلّف البعيد، كما أنه تلفيق يفتقد لأية منهجية مطردة، فسورة التوبة مثلا وردت فيها آيات وعيد وورد فيها مثلا قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلي وَلَا نَصِيرٍ" [التوبة: 116] وغير ذلك، وهي –حسب تصنيفه من آيات "القرآن"، وقد يقال إنها الاستثناء وأن الغالب هى آيات الأحكام، فنقول لماذا إذن وردت البسملة في سورة الأنفال مثلا وغالب آياتها أحكام؟
وليجيب عن إشكالية تداخل آيات الأحكام والوعد والوعيد والآيات الكونية، بحيث لا يمكن التفرقة بين أجزاء متمايزة للمصحف، يذهب إلى فهم لفظة "التفصيل" بمعنى تمييز الشيء عن غيره وإبانته، ولكنه يختار التمييز المكاني وليس البيان وتمييز المعاني، فيفسر قوله تعالى: "الركِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ" [هود: 1] بأن معنى "كتاب" هنا هو مجموع آيات الأحكام فقد أحكمت ثم وُزّعت في أنحاء المصحف، وتم الفصل بينها بالآيات الكونية التي يسميها "قرآنا، فلما تقرأ قوله تعالى: "تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" [فصلت: 2، 3] فإن شحرور يقول لك بأن عبارة "قرآنا عربيا" هي حال لفعل "فصلت"، والمعنى حسبه هو أن آيات الأحكام فُصلت مكانيا في المصحف بطريقة وضع بينها آيات القرآن وهو تأويل عجيب! فحتى لو سلّمنا جدلا أن "كتاب" تعنى هنا آيات الأحكام فقط، وأن "قرآنا" تعني آيات كونية فقط وأنها أتت في محل حال لفعل "فصلت" وجميعها مقدمات لم يقم عليها برهان سليم مقبول فإن المعنى سيكون كما يقول علامة اللسان العربي الزمخشري "فصلت آياته في حال كونه قرآنا عربيا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، أى لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي المبين لا يلتبس عليهم شيء منه، وهو معنى معقول مقبول للحالية، على أنه
511
10
الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 184.
5