جبل نفوسة منذ انتشار الإسلام حتى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (21-442هـ) مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

إن بقاء الإمام عبد الوهاب طيلة هذه المدة في جبل نفوسة بعيدا عن مركز سلطانه أمرا يدعو إلى الحيرة، فهل انتظار فتوى من المشرق تجعله ينتظر هذه المدة ؟ وهل كان انتقاله إلى المشرق للحج فعلا ؟ ومن كان طيلة هذه الفترة يسير شؤون تاهرت ؟

وأمام هذه التساؤلات فإننا نستبعد ما روته المصادر الإباضية من أن الإمام كان متوجها إلى الحج، ولكنه توقف بالجبل لأن شيوخ نفوسة منعوه من جهة، ومن جهة أخرى ظل ينتظر وصول فتوى من المشرق. ذلك أنه لا يعقل أن إماما عالما مثل عبد الوهاب ظل مدة سبع سنوات يعلم النفوسيين "مسائل الصلاة" ورغم ذلك لم يكمل أبوابا منها، ويجهل أن من شروط الحج الاستطاعة، وأمان الطريق. ضف إلى ذلك أن ابن الصغير – وهو أحد المعاصرين للإمامة وعاش في تاهرت - لم يذكر أن عبد الوهاب خرج إلى الحج، بل سمع أنه حاصر مدينة طرابلس،(1) ويتضح جليا أن رواية الحج قيلت في فترة متأخرة نقلها أبو زكريا في سيره. ونحن نعرف أنه ألف كتابه بعد سنة (471هـ) (1078م). وإذا قارنا بين رواية خروج عبد الوهاب إلى الحج، ورواية سفر أبي اليقظان إلى مكة حاجاً، نلاحظ أن مخاوف نفوسة هي التي حدثت لهذا الأخير، فقد روى ابن الصغير بأن بني العباس بلغهم أن "مقدم الشراة" بالمغرب أرسل ابنه يرتاد البلاد ويتصل بأهل المذهب لتعبئتهم في انتظار قدوم أبيه من تاهرت، فألقي عليه القبض في مكة، وحبس في بغداد رفقة خادمه النفوسي(2). ونستنتج مما ذكرناه أن رواية حج أبي اليقظان أسقطت على الإمام عبد الوهاب، فلما لم يجد مؤرخو المذهب تفسيرا لسفره إلى طرابلس – وهي أول زيارة يقوم بها إمام للمنطقة - وبقائه هناك مدة سبع سنوات، قالوا إنه سافر إلى الحج، ولكنه توقف بالجبل لأن "أهل الدعوة" هناك أدركوا أن إمامهم لن يلفت من قبضة العباسيين في مكة، فأرسلوا في طلب فتوى من المشرق.

(1) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص45.

(2) - المصدر، ص64-65.

١٠٨ / ٤٣٨