جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ١١٨وظل الخلاف قائما بين نفوسة، بين مؤيد، ومعارض لترك جيش الأغالبة وشأنه، حتى إن سعدا اتهم بالجبن والخيانة، وأنه أراد العودة إلى عمالته "قنطرارة"، واقتتل الجيشان أعنف قتال، فلم تصمد نفوسة كثيرا حتى هموا بالانهزام، "فصارت تنهدم الرجال من الصفين كالحيطان"،(1) وتطارح منهم خلق كثير في البحر حتى أحمر لون مائه من دمائهم، فلا عجب إذن أن قال ابن الأغلب "لو كان هذا القتل لله لكان إسرافا"(2).
وفي خضم هذا القتل أمر أفلح بن العباس صاحب البند "شيبة الدجي" بأن يركزه كي لا ينهزم عنه أحد، فرفض ثم اقتتلوا مليا، وعندما أصر أفلح حفر له وأوقفه، وفر أفلح من ميدان المعركة، وترك رجال نفوسة يسقطون قتلى قرب البند، فرأى ذلك رجل من ذوي البصائر، فضربه بسيفه حتى وقع وعندما رأى ذلك بقية العسكر ولوا مدبرين(3) وحملت نفوسة أفلح بن العباس هذه الهزيمة، فاتهمته بأنه صمم على تركيز البند رغم أن القوتين غير متكافئتين، ولأنه كان من الكارهين للخروج، وخرجت نفوسة من هذه المعركة بخسارة فادحة، إذ تقدر المصادر عدد القتلى فيها اثني عشر ألف، منهم أربعة آلاف من نفوسة أما البقية فمن مختلف القبائل، منهم حوالي أربعمائة عالم فقيه، في حين لم يتعد عدد الأسرى ثمانين أسيرا(4).
ولم يرحم ابن الأغلب الأسرى، فعمروس بن فتح قاضي الجبل في عهد أبي منصور إلياس – وهو أحد الأسرى - أخذوا يقطعونه بالحديد من إبهامه حتى وصلوا إلى مرفقه، فاستشهد رافضا طلب العفو(5).
(1) - النويري: نهاية الإرب، ج24، ص133.
(2) - النويري: المصدر نفسه والجزء والصفحة ذاتهما.
(3) - أبو زكريا: المصدر السابق، ص152؛ الشماخي: السير، ص269؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص185-186؛ محمد الطالبي: الدولة الأغلبية، ص327-328.
(4) - أبو زكريا: المصدر السابق، ص152؛ الشماخي: المصدر السابق، ص269.
(5) - البغطوري: سير نفوسة، و2؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص89؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص269.