جبل نفوسة منذ انتشار الإسلام حتى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (21-442هـ) مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

ويتضح جليا مما سبق أن موقف الإمامة اتسم باللين عكس المواقف السابقة، ولم تتدخل في تعيين عامل على الجبل، بل تركت الأمر لنفوسة لتختار من تراه مناسبا لهذا المنصب ويحظى قبوله بالإجماع. وأمام هذا التغيير في المواقف يبدو أن الإمامة رأت أن تدخلاتها المباشرة في شؤون الجبل قد سبب لها متاعب جمة، وبالتالي ارتأت ترك الأمر شورى بين النفوسيين، ولو صعدت في مواقفها ربما حدثت القطيعة وهذا ما تخشاه الإمامة لأنها تعي جيدا فضلهم في إقامة إمامة الظهور، فآثر الإمام عبد الوهاب عدم التدخل تجنبا للمشاكل خاصة وأن التجارب أثبتت أن الإمام معرض في كل حالة إلى عرض مشاكله على المشارقة من طرف رعيته وهذا طبعا ما لا يرضيه، لأنه من مصلحته أن تحافظ دولته على السمعة نفسها التي كسبتها عند المشارقة في عهد أبيه عبد الرحمن. يذكر ابن الصغير على لسان المشارقة قولهم: "قد ظهر بالمغرب إمام ملأه عدلا وسوف يملك المشرق ويملأه عدلا"(1). وفي موضع آخر يضيف قائلا: "اجتمعت الإباضية بالمشرق وتراسلوا فيما بينهم، وقدم القوم وجمعهم البصرة فقال بعضهم لبعض، إذ اتصلت بهم الأخبار من كل الأقطار مع ما جاءتهم به رسلهم مما عاينوه وشاهدوه، إمامكم بالمغرب خلف من أبي بلال مرداس بن أدية ومن حمزة الشاري فلا تدخروا عليه مالا ولا تحبسوا عنه عطاء"(2).

جاء في سير نفوسة أن أبا عبيدة امتنع واعتذر بحجة أنه ضعيف المال، والبدن، والعلم. وكتب إليه الإمام: "إن كنت ضعيف البدن فادخل في أمور المسلمين يقوي الله بذلك بدنك، وإن كنت ضعيف العلم فعليك بأبي زكريا يصلتن التوكيتي، وإن كنت ضعيف المال فبيت المال يسعك ويسع غيرك"(3). ونلاحظ من خلال هذا النص أن الإمامة وكأنها تغريه بأن وضعت بيت المال تحت تصرفه إذا كان في حاجة إلى المال، وتقترح له من يساعده.

(1) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص32.

(2) - المصدر نفسه، ص37.

(3) - البغطوري: سير نفوسة، و62؛ الشماخي: السير، ص182.

١٣٦ / ٤٣٨