جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ١٣٩وأمام كثرة عدد خلف وعدته قرر الخروج قاصدا أبي عبيدة، فقام هذا الأخير بحشد قواته مهيئا نفسه للدفاع وخرج بعيدا عن الجبل للقائه. وقبل أن يلتحم الجيشان أرسل خلف سرية من الجند للاستخبار أو لمناوشة طلائع أبي عبيدة. ولم يشعر بهم حتى غشوهم نهارا فأمر أصحابه بالكف حتى يعلموا ما يريدون. ولما أغاروا على "أدرف"(1) وقتلوا نحو عشرة من سكانها ونهبوا الأموال أمر أبو عبيدة أصحابه بقتالهم، فقتلوا منهم الكثير وأرغموا على الأدبار وعاد خلف إلى "تيمتي" ورجع أبو عبيدة إلى إجناون(2). وكلاهما ينتظر المعركة. ويبدو أن أبا عبيدة أرهبته ضخامة عدد قوات خلف، فنراه يعترف له باستقلال حيزه عن ولايته، حيث كتب إليه قائلا: "إذا نزعت يدك من الطاعة، فكن في حيزك، وأكون في حيزي"(3). ولكن خلف أبى وتمادى في النهب والقتل مدة سنة، ورفض التعايش السلمي على أساس أن ينفرد كل منهما بناحيته. ونعتقد أنه كان يطمح في رئاسة الجبل كله لا حيز طرابلس فقط. وحاول بمختلف الوسائل الترغيبية والترهيبية، ترجيح كفته، فاستمال الرجال بالأموال والإقطاعات، وبالغ في إرهاب الناس، حتى إنه قتل خطأ بعض أتباعه ظنا منه أنهم من رعية أبي عبيدة(4).
(1) - هي قرية تبعد عن جادو بمسافة قصيرة، ورد ذكرها باسم "ويدرف" و"تسمات درف" ينظر: الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاتها، ص72-73.
(2) - هي قرية تقع في أرباض "جادو" في سفح الجبل،تبعد عن "طرميسة" بأربعة أميال، اشتهرت هذه القرية بكثرة العلماء فكان يجتمع في مسجد أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني سبعون عالما لا يرد أحدهم السؤال إلى الثاني إلا في طريق الأدب. ينظر: معمر الإباضية في ليبيا، ص202.
(3) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص131؛ معمر: المرجع نفسه، ص96؛ سعد زغلول: المرجع السابق، ج2، ص344.
(4) - الشماخي: السير، ص183.