جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ١٤٨ومما تقدم يتضح أن الحركة الخلفية لم تكن مجرد خلاف في الآراء بين أتباع المذهب، بل كانت حركة تعبر عن نزعة استقلالية اختارت السلاح وسيلة لتحقيق تلك الرغبة. وانضم إلى هذه الحركة حتى العلماء. ويبدو أن أبا مهاصر، وأبا الحسن الأبدلاني، كانا يميلان إلى خلف لأن أبا مرداس طلب من العباس التوبة إلى الله بقوله: "تب إلى ربك فما تأخر عنا النصر، إلا لأن شيئا ما وقع منك، وما كان للباطل أن يقف أمام الحق هذا الوقت الطويل". ويمكن أن نستشف من هذا النص بأن هناك خلافا بين أبي مهاصر، والعباس، ربما في السياسة المتبعة من طرف هذا الأخير، خاصة وأن النص يوحي بأن أتباع خلف على حق، وأتباع العباس على باطل. أضف إلى ذلك أن أبا مهاصر هدد بالنداء في الناس بأن يرجعوا إذا أصر العباس على قتال خلف. كما أن أبا مهاصر وأبا الحسن الأبدلاني انسحبا من الجيش، وتبرر المصادر ذلك بحجة أنهما تعبا من السير، فانتقلا إلى اغرميمان للاستراحة عند عجوز. ولا يعقل أن يتركا ميدان المعركة من أجل زيارة عجوز صالحة ! أليس أبو مرداس هو القائل: "لا أخاف على عسكر فيه أبو الحسن الأبدلاني"(1). وتبرر المصادر كعادتها الانسحاب من المعركة تارة بحجة أن الزاد نفذ، والكراع ضعف، وتارة بأن الموسم موسم حرث، وبذر، وهو التبرير نفسه الذي تورده المصادر في حديثها عن هزيمة أبي الخطاب عبد الأعلى أمام ابن الأشعث سنة 144هـ عندما أرجعت أسباب هزيمته إلى انسحاب الكثيرين من رجاله لأنها وقعت في وقت الحصاد، ورجاله أغلبهم من المزارعين.
(1) - الشماخي: السير، ص172.