جبل نفوسة منذ انتشار الإسلام حتى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (21-442هـ) مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

ونلاحظ من خلال ما مر بنا أن طبيعة الخلاف بين الجبل وبين الإمامة اتخذ منحى آخر، فبعد أن كان بعض النفوسيين يطالبون بانفصال واستقلال حيز طرابلس، أصبحوا يطعنون في الأئمة مباشرة، متهمين إياهم بتضييع أمور المسلمين، وهي سابقة خطيرة. وعلى الرغم من أن المصادر الإباضية الوهبية تريد أن ترجع منشأ الخلاف إلى التنافس على ولاية قنطرارة، وطموح فرج في تولي هذا المنصب، إلا أننا لا نستبعد أن يكون حلقة أخرى من الصراع بين الجبل والإمامة حول الانفصال. وأن النفوسيين من غير الوهبية أعلنوا صراحة عن عدم رضاهم بحكم الأئمة. وتجدر الإشارة في هذا السياق بأن طعن فرج في الإمام لم يكن الأول من نوعه، فقد رويت المصادر عن الشيخ أبي مسور يصلتن، أحد المعاصرين للإمام عبد الوهاب أنه قال: "عشت حتى لم أجد في الإمام(1) ما أريد، ولا في نفسي، ولا في الأولاد، ولا في الإخوان، ولا في القبيل، قولوا للمسلمين يدعو (يدعون) علي"(2). وعلى الرغم من أن المصادر تنفي أن يكون القصد من ذلك هو الطعن في الإمام عبد الوهاب، لأن أبا مسور عمر طويلا حتى ضعف جسمه وقل ما بيده وعجز عن فعل الخير، كالذي كان يقوم به في ريعان شبابه، فنقم على الكل، إلا أنه يمكننا القول بأن قوله يعبر فعلا عن سخط وعدم رضا. ألم يقل أبو عبيدة للإمام عبد الوهاب في أثناء زيارته إلى الجبل عندما ترك هذا الأخير الرعاة يرعون ماشيتهم في المزارع: "إنه الرعاة عن المضرة، إن لم تعرف فقد أعلمناك، والإ فصل بيننا هذا يعني السيف".(3)

(1) - نقل الدرجيني كذلك هذا القول مع تغيير كلمة (الإمام) بـ (الأيام) وإضافة عبارة أرى مكملة للنص حيث قال: "عشت حتى لم أجد في الأيام ما أريده ولا في نفسي ولا في الإخوان ولا في الأولاد ولا في القبيلة فأدعو الله أن يريحني مما أنا فيه"، ينظر: المصدر نفسه، ج2، ص315.

(2) - الوسياني: السير، و9.

(3) - الشماخي: السير، ص189.

١٥٣ / ٤٣٨