جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ١٥٨وبعد فشل "نفاث" في البقاء في ولاية أهل الدعوة، جمع ما عنده من مال، وفر بنفسه إلى أن تجاوز حدود الإمامة في سرت. وواصل رحلته إلى بغداد، وأقام فيها مدة طويلة في ضيافة صديق بغدادي نعتقد أنه من الإباضية، ولما علم بنزول نازلة على الخليفة وعجز العلماء على حلها تقدم إليه وأجابه، إجابة مقنعة فأعجب بذكائه وفطنته، وقربه إليه، وصار الخليفة يسأله عن معضلات المسائل وهو يجيب دون عناء، واشتهر فأصبح مجلسه يحفل بالعلماء، والأدباء، والأمراء، وعندما أراد السلطان أن يكافئه طلب منه "نفاث"السماح له بنسخ الديوان – أي ديوان جابر بن زيد - الموجود في مكتبته فلبى طلبه، وحدد له فترة النسخ بيوم واحد، لأن وزراءه كانوا يعارضون ذلك فرضي بالشرط، واستأجر لهذا العمل الكتاب الذين مكنوه من نسخ أجزاء، ولم يبق له إلا جزء واحد فقط، سمح له بالاطلاع عليه فحفظه بعد قراءة واحدة، وأعاد سرده على مسمع الخليفة، ووزرائه(1).
وتذكر المصادر بأنهم دبروا له خطة لكي يأخذوا منه الديوان، حيث اتفقوا على طرح أسئلة عليه قبل سفره، فإن عجز أخذوه منه، وعندما فشلوا في ذلك قرروا أن يبعثوا وراءه من يأخذه منه عنوة. ويبدو أن "نفاثا" علم ما في صدورهم فغير الطريق، واتجه إلى مكة ومنها إلى طرابلس. وعندما وصلها خشي – كما تقول المصادر - أن ينتفع من الديوان "أهل الدعوة" فحفر له في الأرض فدفنه. ولم يلبث أن تاب ورجع عن مسائله التي خالف بها أهل الدعوة. ولم يعد من الناس من يردد آراء "نفاث" إلا القليل، بعضهم في الجبل، والبعض الآخر في مطماطة(2).
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص139-140؛ الدرجيني: طبقات المشائخ،ج1، ص80-81؛ الباروني: المرجع نفسه، ص264-266؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص348-349.
(2) - أبو زكريا: المصدر نفسه، ص42؛ الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص82؛ الباروني: المرجع نفسه، ص266-267.