جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ١٨٨ولاشك أن حركة الهجرة من تاهرت كانت كبيرة، حتى وإن لم تكن دفعة واحدة نظرا للظروف الصعبة التي مرت بها المدينة بعد وقوعها في يد الشيعة. وقد عبر عن تلك الظروف ابن حوقل بقوله: "تغيرت تاهرت عما كانت عليه، وأهلها وجميع من قاربها من البربر في وقتنا هذا - (توفي في القرن 4 الهجري) - فقراء بتواتر الفتن عليهم، ودوام القحط، وكثرة القتل والموت"(1). وكانت بالأمس القريب مدينة جليلة المقدار، عظيمة الخيرات، حتى سميت "عراق المغرب"(2).
ومما لاشك فيه كذلك أن جزءً مهما من الجالية النفوسية فيها قد غادرتها هي الأخرى مثل كل إباضية المدينة. فمنهم من رحل إلى وارجلان مع آخر الأئمة، ومنهم من التجأ إلى جبل نفوسة، خاصة وأنه يتوفر على كل أشكال الحماية من مناعة وصعوبة في المسالك بعيدا عن ضغوط الشيعة المذهبية.
ومهما يكن من أمر، فإن يعقوب بن أفلح قد رفض رفضا قاطعا إحياء الإمامة المندثرة بطلب من سكان وارجلان قائلا لهم: "لا يستتر الجمل بالغنم"* معبرا عن الضعف الذي حل بأهل الدعوة. وبذلك انتقل الإباضية من إمامة الظهور(3) إلى إمامة الكتمان(4)
(1) - ينظر: صورة الأرض، ص93.
(2) - اليعقوبي: صفة المغرب، ص14.
* - وفي رواية أخرى "لا يستتر الجمل خلف الغنم".
(3) - هي الإمامة الكبرى المعلنة، ويشترط في إقامة هذه الإمامة أن يكون للإباضية عدة وقوة في المال والعلم بدين الله مثل الدولة الرستمية، ينظر: أبو عمار عبد الكافي: الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1978، ج2، ص236.
(4) - أي الحفاظ على الدين دون إعلانه حتى لا يمنع تطبيقه مثلما كان حال شيوخ الإباضية الأوائل أمثال جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة، ينظر: الجناوني: عقيدة التوحيد نشرت ضمن:
Extrait du Bulletin d'études orientales، 1980، T32-33، p49.