جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ١٩٠والإشكالية التي نواجهها في دراسة النظام السياسي في الجبل هي أن مصادرنا الرئيسية لا تعطينا قائمة متسلسلة تاريخيا للحكام، بل تكتفي بالحديث عن سيرهم وحلقاتهم العلمية. أما طبيعة النظام السياسي في الجبل فيكمن في أن النفوسيين يعينون رجلا يشرف على تسيير شؤون الجبل ويتخذ في الغالب مدينة جادو مركزا له، وتكون رئاسته شاملة. أما المدن والقرى الأخرى، فكان يشرف عليها مقدم أو سيد يعين في أغلب الأحيان من قبل الرئاسة في جادو، ويكون بمثابة مقدم محلي يساعد الرئاسة العامة في تسيير شؤون مدينته، وتدخل في هذا التعيين اعتبارات قبلية وعلمية.
أ-الرئاسة العامة:
إن أول من تولى رئاسة أهل الدعوة في الجبل هو أبو محمد عبد الله بن الخير، نصب مباشرة بعد هزيمة نفوسة أمام الأغالبة في مانو. وكان من العلماء القلائل الناجين من هذه المعركة، إذ لم يبق من علمائها سوى أبي القاسم البغطوري، وعبد الله بن الخير اللذين توليا الفتيا في نوازل أهل الجبل، ولولاهما لعطلت إلى يوم القيامة على حد قول أبي زكريا(1). والحقيقة أن أبا القاسم كان هو المفتي بينما كان عبد الله يشرف على ولاية الجبل، وعلى الرغم من تقدم الأول في السن إلا أنه كان يسير كل ليلة من "ويغو" إلى "بغطورة"(2) لكثرة النوازل. وقد قيل إنه جلس للإفتاء بعد مانو ثلاثة أيام بلياليها، وقيل يوما وليلة(3). وهذا دليل على ندرة العلماء في الجبل في هذه الفترة، ويبدو أن المفتي كان مساعدا رئيسيا للرئاسة، ولذلك كان يختار من العلماء الأكفاء المعترف بأهليتهم في هذا الميدان بين أهل الدعوة.
(1) - ينظر: كتاب السيرة، ص154.
(2) - ذكرتها المصادر بأسماء عديدة: بغطورة يقطورة بغطورة، وهي قرية تقع قرب الجزيرة المشهورة التي تطل على وادي شروس. وهي لا تبعد كثيرا عن دركل ودجي وزعرارة وويغو. ينظر: معمر: الإباضية في ليبيا، ص184.
(3) - الشماخي: السير، ص235.