جبل نفوسة منذ انتشار الإسلام حتى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (21-442هـ) مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ١٩٧

تولى أبو زكريا السلطة باتفاق المشائخ، ودام حكمه ستين سنة وقيل سبعين، فإذا كان تعيينه قد تم بأشهر قليلة قبيل هزيمة الوهبية، فمعنى هذا أن حكمه دام إلى غاية سنة 418 هـ (1027م) أو (1036م)(1). عرف أبو زكريا – كغيره من الولاة - بغزارة علمه ورغم ذلك كان يستعين بأبي محمد الكباوي، وأبي يحي الفرسطائي حتى إنه كان يحكم بما اتفقا عليه. وكان لا يتوانى في ملاحقة الجناة في مختلف حواضر الجبل. فقد قيل له إن أحدهم في "إجناون" فتوجه إليه صبيحة العيد، وطلب من عزابتها تسليمه لحبسه في جادو، وسمع بآخر في بلدة "ويفات" (2) فألقى عليه القبض ونفذ فيه حكم الشرع(3)، ولا نستغرب إذا أشاد البغطوري بتقواه وحزمه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله: "لا ينام كل ليلة حتى يميز نفوسة كلها قويهم وضعيفهم، ومن فيه الحق ومن لم يكن فيه الحق، وذلك من كثرة خوفه من التقصير"(4).

حاول في العديد من المرات التخلص من هذا العبء، لكن المشائخ رفضوا فهو الذي جنبهم سيوف الفاطميين وبني زيري – كما سنرى فيما بعد - بحنكته السياسية، وظل على هذه السيرة إلى أن اشتد عليه المرض. فلما سأله المشائخ رأيه فيمن يولونه أمورهم اقترح عليهم أحد الثلاثة: أبو زكريا اللالوتي، أبو يعقوب البغطوري، أو أبو داود سليمان الدرفي، ولكن نفوسة رفضت الأول لبعد منزله، ورفضت الثاني لأنها تأبى أن تتقدم قبيلته، فعين لهم ابنه أبا موسى عيسى بشرط أن ينال تزكية أبي داود سليمان الدرفي، مقدم بني زمور، أهم قبيلة إباضية وهبية في الجزء الشرقي من الجبل. وعندما علم أبو داود بالوصية عمل كل ما في وسعه لتنفيذها(5).

(1) - T. Lewicki : Les Hakims، p103.

(2) - هي قرية تبعد عن جادو بعشرة أميال.

(3) - الشماخي: السير، ص319؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص182.

(4) - ينظر: سير نفوسة، و22.

(5) - الشماخي: المصدر السابق، ص321؛ معمر: المرجع السابق، ص185؛ T. Lewicki : Les Hakims، p102.

١٩٧ / ٤٣٨