جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨فلا غرابة إذن أن يصطدما ولو مؤقتا، لأن وجود الفاطميين في بلاد المغرب ما هو إلا مرحلي. فمصر كانت دوما حلمهم وهدفهم البعيد، وقد عزموا أن يجعلوها في يوم ما قاعدة لدولتهم للعبور إلى المشرق والسيطرة على الحجاز والقضاء على دولة بني العباس. وسيمكنهم ذلك في الأخير من بسط سيادتهم على حوض البحر الأبيض المتوسط(1). ورغم ذلك فإن سياسة الفاطميين تجاه المذاهب الدينية الأخرى كانت تجمع بين المسألة والاضطهاد، فبالنسبة للإباضية فقد عانوا الكثير من سياسة القمع التي سلكها معهم عبيد الله، والقائم، والمنصور، في حين كان المعز مسالما لهم حيث قربهم إليه مع أخذ الحيطة والحذر، وظل يداريهم ويستعين بعلمائهم ومجادليهم لمناظرة مخالفيهم من معتزلة وواصلية وغيرهم. ومهما يكن من أمر فإن هذا الاضطهاد كان أقل مما لحق بعلماء السنة عامة والمالكية خاصة(2).
ولم تكن هذه المداراة من جانب العبيديين فقط، بل حتى من الإباضية فقد قبلوا بالشيعية في شيء من المهادنة، وإن لم يعتنقوا مذهبهم، والدليل على ذلك أن بعض علماءهم تقربوا من المعز لدين الله الفاطمي والتحقوا بمجالسه العلمية رغم أن المشائخ قالوا: "إذا رأيتم العالم يمشي إلى أبواب السلطان فاتهموه على أمر دينكم"(3).
(1) - عارف تامر: القائم والمنصور الفاطميان أمام ثورة الخوارج، دار الآفاق الجديدة، ط1، بيروت، 1982، ص20-21.
(2) - المجدوب: الصراع المذهبي، ص215؛ صالح باجية: المرجع السابق، ص107؛ محمد الصالح مرمول: السياسة الداخلية للخلافة الفاطمية في بلاد المغرب الإسلامي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983، ص140.
(3) - الشماخي: السير، ص384.