جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠ولما تمكن ماكنون من تأمين المنطقة وإعادة الاستقرار إليها تطاول في الحكم وبالغ بنو عمومته في سلب أموال العامة وانتهاك حرماتهم، فأثارت هذه المعاملة السيئة التي سلكتها كتامة انتفاضة أخرى سنة (300هـ/914م)، حيث قام سكان طرابلس بقتل أفراد من كتامة اضطر حينها ماكنون إلى ترك المدينة فارا إلى رقادة. عندئذ قام سكان المدينة بتقديم محمد بن إسحاق القرشي المعروف بابن القرلين، وفي هذه الأثناء أرسل عبيد الله خمسة عشر سفينة محملة بالجند لإخماد هذه الثورة، لكنها هوجمت وأضرمت النار فيها. وقدم جيش آخر يقود هذه المرة ابنه أبو القاسم على طريق البر في جمادى الأولى سنة 300هـ فاعترضته هوارة فأوقع بها الهزيمة. وحاصر طرابلس حصارا مشددا حتى اضطر أهلها إلى أكل الميتة نظرا لفراغ الأقوات والمؤن التي كانت تمدها هوارة للسكان. ولم يصمد ابن إسحاق كثيرا إذ طلب سكان طرابلس الأمان من أبي القاسم، فآمنهم على أن يسلموا إليه محمد بن إسحق، ومحمد بن نصرو رجلا آخر يقال له "الحوححة"، فقبلوا ذلك وسلموهم إليه، ودخلوا طرابلس وفرض على أهلها غرامة مقدارها ثلاثمائة ألف دينار، وقتل ما تبقى فيها من الأغالبة بتهمة تدبير هذا العصيان، وتولى جباية هذه المغارم رجل يقال له خليل بن إسحاق. وبعد أن استقرت الأمور، وعادت إلى حالتها الطبيعية، استخلف عليهم أبا مديني بن كناوة اللهيصي، وترك معه حباسة بن يوسف الملوسي، وعاد أبو القاسم إلى رقادة ومعه الرجال الثلاثة فقتلهم، وشهر بهم في شوارع القيروان(1).
(1) - ابن عذارى: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص168-169؛ ابن خلدون: العبر، مج4، ص78.