جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩كما حاصر الوهبية النكار علميا فضايقوهم في حلقاتهم العلمية بعقدهم لحلقات موازية. فقد روي أن أبا صالح بكر بن قاسم اليراسني (اليهراسني) لما سمع بان النكار استولوا على جبل دمر بحلقة، فخرج من جربة وكابد صعود الجبال – لتقدمه في السن - إلى أن وصل إلى زيري بن كملين – رئيس أهل الجبل - فلامه وعاتبه(1).
واختار بعض العلماء وسيلة أخرى لمحاربة الفكر النكاري وهي أنهم رفعوا الأقلام بدل السيوف والجنود للتأليف للرد على أباطيلهم. فقد وضع محمد بن أبي خالد إثنى عشر كتابا يرد فيها على من أنكر إمامة عبد الوهاب(2).
وكانت الرسائل تبعث من علماء الوهبية إلى كافة الوهبية إينما كانوا سواء في الجبل أم في غيره من المناطق تحذرهم من مغبة فسح المجال للنكار لكي ينشطوا علميا، ويكثروا من حلقات الدرس، وقد حفظت لنا المصادر نصوص رسائل منها رسالة أبي القاسم يونس بن أبي زكريا إلى أبي مكدول الزنزفي يقول له فيها: "أما بعد فإني سمعت أن جماعة من النكار طلعوا قبلكم فإياكم ثم إياكم أن يردوا أرضكم، ولو للضيافة فإن القوم أخدع للأمة، وأنت ممن لا يحتاج إلى أن يوصى"(3). ويروي كذلك أن أبا مسور يسجا بن يوجين اليراسني (اليهراسني) الساكن بجربة تعرض لأذى النكار فجاءته ثلاث رسائل من وهبية نفوسة، وزواغة، وجبل دمر تتفق كلها في المحتوى. ومما جاء فيها: "بلغنا أن النكار يسيئون إليك فإن صح نصرناك بعسكر أوله عندك وآخره عندنا"(4). ورغم أن أبا مسور لم يشتك من أذاهم، إلا أن الرسائل جاءته تباعا، وكأنهم اتفقوا وتواعدوا مما جعل النكار يزدادون رعبا فأصبحوا يحترمونه ويوقرونه.
(1) - الوسياني: السير، ج2، و15؛ الدرجيني: المصدر السابق، ج2، ص357؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص368.
(2) - الوسياني: المصدر نفسه والجز ذاته، و37؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص418.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص408-49؛ الدرجيني: المصدر السابق، ج2، ص420.
(4) - الشماخي: المصدر نفسه، ص345.