جبل نفوسة منذ انتشار الإسلام حتى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (21-442هـ) مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ٢٦٥

.

ب - النفوسيون وبني زيري:

تأرجحت العلاقات النفوسية – الزيرية بين العداء تارة وبين المسالمة تارة أخرى. ويمكن لنا أن نقسم هذه العلاقات إلى مرحلتين أساسيتين: مرحلة تميزت بالتسامح المذهبي، ومرحلة اتسمت بالعداء والقتال ومضايقة أهل المذهب، ليس في الجبل فقط بل في إفريقية والمغرب الأوسط كذلك، خاصة بعد أن تم القضاء على أتباع المذهب الشيعي، وأضحى المذهب المالكي هو المذهب الرسمي – إن صح التعبير - ويمكن أن نحدد بداية المرحلة الأولى بأواخر خلافة المعز لدين الله الفاطمي في بلاد المغرب وتنتهي في أوائل القرن الخامس الهجري (11م). ففي هذه المرحلة كانت العلاقات حسنة بين الطرفين حيث كان أمراء بني زيري – ومن قبلهم المعز لدين الله - يفتحون أبواب قصورهم لعلماء ومشائخ الإباضية لحضور المجالس العلمية، ومناظرة خصومهم أتباع المذاهب والفرق الأخرى. فالمصادر تذكر أن أبا نوح – وهو أحد مفجري ثورة الوهبية في خلافة المعز - كان مقربا وذا حظوة لدى المنصور الصنهاجي، وكان أبو نوح يسافر إليه إلى القيروان فيكرم مثواه، ويفضله على العديد من مجالسيه، ويمكنه من الرد على أصحاب الفرق. وكان المنصور يجيزه ويغدق عليه الأموال، رغم أن أبا نوح كان يرتاب من هذه الزيارات، حتى إنه استشار في إحداها مقدم بني درجين. يقول الدرجيني: "لما جاءه الرسول بهذا الخبر – أي خبر استدعاء المنصور له - قلق أبو نوح وتجددت عقابيل الخوف… فاستشار وحنين (وحنين بن وريغول) في المسير إليه، وهل هناك أمر يخافه عليه… فقال له وحنين: إن طاب على نفسك المسير فسر فإني لا أخاف عليك، وإن كرهت المسير فأقم وأنا أمنعك وأخالف عليه من أجلك"(1).

(1) - ينظر: طبقات المشائخ، ج1، ص146-147.

٢٦٥ / ٤٣٨