جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦ومن المعروف أن اليازوري لم يكن من أهل الوزارة ولا من الكتاب، وإنما كان من أهل الزراعة والفلاحة حين كان بالشام. وجرت العادة أن أمراء الأمصار كانوا يخاطبونه في رسائلهم على عادة الوزراء إلا المعز فإنه رفض ذلك. وكان يكاتبه بصنيعته مما أغضبه. وللنيل منه أقنع الخليفة بالفكرة حتى إن هذا الأخير أرسله إلى أحيائهم لإقناعهم وإغرائهم بالسير إلى إفريقية بأن وعدهم بتقديم المال والمدد والسلاح. وأعطى لكل فرد منهم دينارا وبعيرا، وأخبرهم بأن الخليفة المستنصر قد أقطعهم إفريقية. وهكذا انطلقت اول موجة هلالية إلى بلاد المغرب، وكان ذلك سنة 442هـ (1050م)(1) وأنفذ اليازوري كتابا إلى المعز يقول فيه: "أما بعد فقد أنفذنا إليكم خيولا، فحولا، وأرسلنا عليها رجالا، كهولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا"(2).
وجاءت هذه القبائل البدوية إلى مدينة برقة فوجدوها خالية تقريبا من السكان. ذلك أن المعز بن باديس أباد أهلها من الزناتيين، فتوقفوا بها، وكاتبوا إخوانهم بشرق النيل يرغبونهم في اللحاق بهم فأجازوا إليهم، وخربوا المدينة الحمراء، وأجدابية، وأسمرا، وسرت، ويمكننا أن نشير إلى أن القبائل التي نزلت برقة هي من بني سليم، في حين تقدم بنو هلال إلى إفريقية فوصلوها سنة 443هـ (1050م)(3).
(1) - ابن خلدون: العبر، مج6، ص30-31؛ رابح بونار: المغرب العربي، ص193؛ المناوي: الوزارة والوزراء، ص189-190؛ الأنصاري: كتاب المنهل العذب، ص116؛ George Marcais: La Berberie Musulmane، p193-194.
(2) - ابن خلدون: المصدر نفسه والمجلد ذاته، ص31.
(3) - نفسه، ص31؛ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص581-582؛ أتوري روسي: ليبيا منذ الفتح، ص96-97؛ حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب، ص148.