جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٣٧٣مما شجع العلماء وطلبتهم على التجوال بين أهل المذهب هو أن المشائخ كانوا يتبرعون للإنفاق على الطلبة وعلى العزابة الذين كرسوا حياتهم لنشر الدعوة وإحياء الدين. ففي زمن أبي نوح سعيد بن زنغيل (الطبقة الثامنة 350-400هـ) أحضر المشايخ سراويل مملوؤة بالدراهم لتوزع على سائر العزابة على قدر ما يرون لكل واحد منهم.(1) كما كان العلماء ينفقون على الطلبة من مالهم الخاص. فقد كان أبو عبد الله محمد سليمان النفوسي (من علماء الطبقة التاسعة 400-450هـ) ممن وسع الله عليه في العلم والمال، فكان يعلم التلاميذ ويطعمهم ويكسيهم من ماله الخاص، فإذا أقبل الشتاء اشترى لهم أكسية جديدة فيها دفء، وإذا أقبل الصيف اشترى لهم ما يخف لبسه.(2) وكان أبو القاسم يزيد بن مخلد هو الآخر ينفق على طلبته تشجيعا لهم على الاستمرار في ملازمة الحلقة فهو القائل: "لو علمت مكان مسألة أستفيدها ممن فاتني بها لشددت إليها رحلي في مشرق أو مغرب ولا أخشى أن يعذبني الله إلا على الجهل".(3) كما كانت قبائل "زنزفة، ولماية، ومزاتة، وما يحيط بهم من القبائل يبذلون الجهد في مساعدة الطلبة بتقديم المعونة والهدايا لهم،(4) ولذلك نلاحظ أن الطلبة وحتى المشايخ كانوا يرتحلون إلى حواضر أخرى للإستفادة من حلقاتها، فهذا أبو يحي بن أبي القاسم الفرسطائي انتقل من فرسطاء إلى شروس للالتحاق بحلقة ابن ماطوس (ط7- 300-350هـ) فلم يجد مسكنا يأويه حتى أنه قال: "ما أوسع شروس وما أضيقها".(5)
جـ - التنافس العلمي:
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص357؛ الوسياني: سير مشائخ المغرب، ص66.
(2) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص418؛ الشماخي: المصدر السابق، ص406.
(3) - خليفات: النظم، ص22.
(4) - الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص193.
(5) - الشماخي: السير، ص310.