جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٣٧٩وقد تخصصت بعض الجهات في فن من فنون العلم. فعندما أتقن أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي علم الأصول في الجبل انتقل إلى جربة ليتعلم بها علوم الفروع على فقهاء بني يراسن (يهراسن). وبجربة كون هو الآخر حلقة في علم الكلام من طلبة الجزيرة وغيرهم.(1) ولما تعلم أبو محمد ويسلان بن يعقوب الدمجي المزاتي القرآن وحفظه رجع إلى علم الأصول والحجة والكلام فمكث فيه ستة عشر سنة على يدي أبي القاسم يزيد بن مخلد. ولما تمكن من علم الكلام انتقل إلى الجبل ليتعلم الفقه على علمائها، ظل فيه مدة سبع سنوات حتى بلغ مبلغا عظيما في العلوم وجمع ديوانا كبيرا دون فيه ما درسه من معارف ثم عاد إلى بلاده.(2)
وقد أولى إباضية الجبل عناية خاصة بالتفسير لحاجتهم الماسة إليه في فهم القرآن الكريم، وقد برع فيه أبو المنيب محمد بن يانس فهو الذي تكفل بعلم التفسير في مناظرة الواصلية في تاهرت.(3) كما اهتم النفوسيون بالفقه فأنجب الجبل العديد من الفقهاء الذين تولوا الفتوى. وقد مر بنا أن الجبل في عصر من العصور كانت لا تحتاج فيه دار إلى دار أخرى في الفتوى. وممن اشتهر بذلك عبد الحميد بن مغطير الجناوني، حتى إن الإمام عبد الوهاب أثناء زيارته للجبل لم يفت ثلاثة أيام، وظل ينتظر قدوم ابن مغطير.(4) ولما حدثت النكسة في موقعة مانو لم يبق من العلماء الذين تولوا الإفتاء سوى أبي القاسم البغطوري.(5)
(1) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص191-193.
(2) - الوسياني: سير مشائخ المغرب، (تحقيق إسماعيل العربي)، ص18-19.
(3) - الشماخي: السير، ص166؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص298-299.
(4) - الشماخي: المصدر نفسه، ص144.
(5) - البغطوري: سير نفوسة، و49.