جبل نفوسة منذ انتشار الإسلام حتى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (21-442هـ) مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ٣٨٨

ومن مشاهير الجبل العالم عمروس بن فتح فهو أعلم أهل زمانه فـ "لولاه لدثر معلم المذهب وانطمس وعفر أثره واندرس".(1) ينتمي عمروس إلى الطبقة السادسة (250-300هـ) ولد ونشأ في قرية "قطرس" الواقعة على ضفاف وادي "تالة" بالجبل. اهتم منذ صغره بدراسة الكتب حتى أصبح من كبار أئمة العلم والدين، فأقواله وفتاويه وآرائه تداولتها المصادر. وقد سبق الذكر أنه عزم على تأليف موسوعة علمية يبين فيها الأحكام المستخرجة من القرآن والسنة والإجماع والقياس، ولكن موته حال دون إنجازه لهذا العمل. وقد ذاع صيت هذا العالم بين الإباضية، فعندما طلب منه عبد الخالق الفزاني أن يؤلف له كتابا في الأصول أرسل إليه كتابه المعروف بـ "العمروسي"، ولما درسه اعترف بأن عمروس أغزر منه علما، ولما طلب منه العامل أبو منصور إلياس أن يتولى القضاء اشترط عليه عمروس قائلا: "إن لم تأذن لي بثلاثة يا إلياس فخذ خاتمك عني: قتل الطاعن في دين المسلمين، ومانع الحق، والدال على عورات المسلمين".(2) وتولى عمروس القضاء بعد قبول أبي منصور لهذا الشرط، ويعد عمروس أول من دون أقوال المتخاصمين، وهو ما نسميه اليوم بـ "محاضر التحقيق".(3) ذلك أن قافلة تجارية استولى عليها قطاع الطرق، فجاء أصحاب القافلة والقطاع إلى الجبل، ومثلا أمام عمروس لأن كليهما إدعى ملكية القافلة فعزل أصحاب القافلة على حدة وانفرد بكل واحد منهم ليسأله عن علامة متاعه، وكتب أقواله، وانفرد بالقطاع فسألهم الأسئلة نفسها، ثم أخرج ما في الأحمال، فوجد أقوال أصحاب القافلة تنطبق على ما كتبه حينئذ طلب من أبي منصور حبس القطاع.(4)

(1) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص320.

(2) - الوسياني: السير (مخ)، ج2، ورقة 1.

(3) - علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص137-141.

(4) - الوسياني: المصدر السابق، (مخ)، ج2، و1-2؛ الدرجيني: الطبقات، ج2، ص321-322؛ الشماخي: السير، ص226.

٣٨٨ / ٤٣٨