جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٣٩٤وفي الأخير نكرر ما قلناه وهو أنه من الصعب جدا أن نتناول بالحديث في هذا الفصل جميع العلماء، فالجانب الثقافي يحتاج إلى دراسة مستقلة كاملة. وكان من نافلة القول أن نتحدث في هذا المضمار عن أبي محمد عبد الله بن بكر النفوسي باعتباره أشهر العلماء النفوسيين على الإطلاق، ولكننا قد تطرقنا إليه في حديثنا عن نظام الحلقة كما سنتناوله بالحديث في الحياة الاجتماعية بحكم أنه مؤسس نظام العزابة. وإذا كنا قد أغفلنا ذكر العديد من العلماء فهذا لا يعني أننا قلصنا من دورهم في الحياة الثقافية في الجبل.
4 - حركة التأليف:
اهتم النفوسيون كغيرهم من الإباضية بتأليف الكتب ونسخها والعمل على نشرها وتعميمها بين الناس لتكون الاستفادة أعم. فهذا عمروس بن فتح يستغل وفادة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني إلى الجبل في طريقه إلى تاهرت وتركه لنسخة من مدونته الشهيرة المكونة من إثني عشرة جزءا عنده، فأسرع عمروس في نسخها دون أن يطلب إذنا بذلك حتى إنه استعان بأخته. فما إن عاد من تاهرت إلا وقد أنهى نسخها، ولذلك سماه بِشر "سارق العلم" عندما لاحظ نقطة حبر على إحدى ورقات المدونة. ولما أحرقت مكتبة "المعصومة" ظلت نسخة عمروس هي المعتمد عليها، ولولاها لبقي أهل المذهب من غير ديوان.(1)
وذلك نفاث بن نصر عندما طلب منه الأمير المشرقي في بغداد أن يسأل حاجته كمكافئة له لما حواه من العلم وتمكنه من الإجابة على المسألة التي عجز عنها علماء بغداد وفقهاؤها، طلب السماح له بنسخ ديوان جابر بن زيد. وحرصا منه على الظفر بنسخة منه اشترى الحبر والورق ودفع لكل ناسخ دينار وللملي نصف دينار. ورغم أن مدة النسخ كانت ضيقة، والمقررة وفق شروط الأمير بليلة ويوم فقط، إلا أنه ما إن طلع الفجر إلا وقد نسخ الديوان كله إلا كتابا واحدا تمكن من حفظه بعد قراءة واحدة.(2)
(1) - الشماخي: السير، ص228؛ الباروني: الأزهار، ج2، ص313-314.
(2) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص140-141.