جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٤١٤ومما يدل على أن المرأة النفوسية تسعى دائما لأن تكون عالمة بدينها، مبلغة له ناشرة للفضيلة، ومكافحة للرذيلة، تلك المرأة التي تسمى "أم الخطاب"، والتي عاشت في القرن الثالث الهجري والتاسع الميلادي، في قرية (أغرميمان). فقد كانت هذه المرأة نصرانية الديانة، فتنزوجها أبو يحي الأزدالي - أحد شيوخ الجبل - فاعتنقت الإسلام، وحفظت القرآن الكريم، وجدت في دراسة العلوم الشرعية، وحضور الحلقات العلمية، فأصبحت بمرور الزمن مرجعا في الفتوى، والاستشارة في أمور الدين والدنيا.(1)
كما اشتهرت "أم الربيع الوريورية" (القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي) بالفضل والكرم والتقوى، حيث كان المشائخ يفدون إليها، ويجتمعون في بيتها، ويتشاورون، ويتناقشون في المسائل الدينية.(2)
ولعل أهم عامل ساعد المرأة النفوسية على أن تأخذ نصيبها من العلم هو كثرة المجالس العلمية، أضف إلى ذلك إرادتها الصلبة وطموحها الكبير في الوصول إلى مبتغاها. وأحسن مثال على ذلك ما صوره الشماخي في سيره عن إصرار "أم ماطوس" على حضور المجالس، فقال "كانت أم ماطوس بكرا، وأرادت أن تتعلم، وبلدها جار إرصرا" فإذا جنها الليل ونام الناس، أخذت مزراقا في يدها وذهبت إلى أبي محمد التمصمص فتحضر المجلس، فإذا افترق رجعت فسمع أخوها، وصار يغلق عليها وينام على الباب، فكانت تتركه حتى ينام فتفتح وتغلق خلفها، فإذا رجعت دخلت وأغلقت… وذهبت مرة ليلا إلى "إجناون" لتحضر المجلس وبينهما قرب عشرة أميال.(3)
(1) - الشماخي: المصدر نفسه، ص249؛ بحاز وآخرون: المرجع السابق، ج3ـ ص272.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص310؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص249؛ بحاز وآخرون: المرجع نفسه، ج3، ص300.
(3) - ينظر: السير، ص317.