جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٤٧ولما جاء الوندال اضطهدوا أتباع المسيحية بمختلف مذاهبها، وقد أدى ذلك إلى ضعفها فارتد عنها الكثيرون. وحاول جستنيان إعادة نشرها في البلاد، فبنى الكنائس ونشط حركة التبشير فانتعشت المسيحية من جديد، وأقبل عليها البربر في مدينة صبراتة وطرابلس وتمكنت المسيحية من التوغل في المناطق الداخلية مثل أوجلة Augila، وغدامس Cydames. أما في العصر البيزنطي فقد ضعف دور الكنيسة الإفريقية، وتعرض دعاة الدوناتية للاضطهاد من جديد، فدعوا مرة أخرى إلى الثورة(1).
وأقبل النفوسيون على المسيحية كبقية البربر، وظلوا محافظين عليها، فعندما فتح عمرو بن العاص الجبل وجد سكانه على دين النصرانية(2)، وتتحدث المصادر عن كثرة الكنائس وانتشارها في المدن النفوسية مثل: كنائس "فرسطا، الجزيرة، بغطورة، تنبطين، أغرمينان، تمزدا، توكيت، ونسيم"(3).
وعاش بقايا النصارى بين نفوسة في هدوء واستقرار بل هناك من العلماء من تزوج من النصرانيات، مثل: أبي يحي الأزدالي الذي تزوج أم الخطاب، وبفضله أسلمت، وحفظت القرآن، وتعمقت في الدين الإسلامي حتى أصبحت مرجعا من مراجعه. وأنشأت معبدا لها في "تغرمين" سمته "إغرم إيمان"، ومعناه "قصر النفس في مجلس الذكر"،(4) كما كانت أم أبي يحي تكسنيت نصرانية الديانة(5). ويرجع الفضل لشيوخ نفوسة في نشر الإسلام بين المسيحيين، واليهود على المذهب الإباضي، فهناك من النصارى الذين اعتنقوا المذهب من تقلد الرئاسة في الجبل مثل: أبي منصور إلياس(6).
(1) - حسين مؤنس: فتح العرب للمغرب، ص29-31.
(2) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص8؛ مجهول: الاستبصار، ص144.
(3) - الشماخي: السير، ص598-599؛ R. Basset، Les sanctuaires، p372-373.
(4) - المصدر نفسه، ص256؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص245-246.
(5) - المصدر السابق، ص245.
(6) - نفسه، ص224.