جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٦٢ويبدو أن عدد الدعاة كان كبيرا لأن الأمان عند البربر كان مضمونا لهم. ولعل أوضح صورة لهذه الدعوة هي التي صورها ابن الأثير بقوله: "فلما دب إليهم أهل العراق استثاروهم قالوا: إنا لا نخالف الأئمة بما تجني العمال، ولا نحمل ذلك عليهم، فقالوا: إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا: لهم: لانتقبل ذلك حتى نخبرهم"(1).
وبما أن البربر كانوا ساخطين على الحكم العربي، فقد رحبوا بالدعاة وحموهم، وسهلوا لهم مهمتهم، فكثرت وفودهم وركزوا دعوتهم في منطقة طرابلس، وجبل نفوسة، والمغرب الأقصى لابتعاد هذه المناطق عن القيروان من جهة، ومن جهة أخرى فإن إقليم طنجة، ونواحي السوس الأقصى، كانت مواطن ثلاث قبائل تعد من أكبر القبائل الزناتية الأكثر استعدادا للثورة وهي: غمارة، برغواطة، مكناسة، وانضمت إليها أعدادا من صنهاجة(2).
ونشير في هذا المضمار إلى أن هناك من يعتقد بأنه لا يوجد دليل واضح على صفرية الدعاة، أو إباضيتهم، ويفضل تسميتهم "خوارج" فحسب، لا خوارج سياسيين ولا دينيين. فالدكتور حسين مؤنس يذكر بأنه لا يعرف بالضبط لماذا كان معظم دعاة الثورة في المغرب من هذين الفريقين، ولا السبب في إقبال المغرب عليها. ففي رأيه أن مبادئ هاتين الفرقتين ليست مما تجتذب البربر، فالصفرية، والإباضية، هما أكثر الخوارج ميلا إلى المسالمة والتسامح مع المخالفين، ونعرف أن الإباضية لا تحل قتال غير الخوارج من المسلمين، ولا تستحل الغنائم عدا السلاح والخيل، وحسب رأيه دائما فإن البربر لا يميلون إلى الاعتدال في العقائد، ويشك في نسبة هذه الحركات إلى الصفرية والإباضية لأن أسبابها كانت سياسية قبل أن تكون دينية(3).
(1) - ينظر: الكامل في التاريخ، ج3، ص45.
(2) - حسين مؤنس: فجر الأندلس، ص164.
(3) - المرجع نفسه، ص149.