جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٦٨وهكذا نلاحظ أن الدعاة استطاعوا نشر مذهبهم في بلاد المغرب في مدة زمنية قصيرة، فلم يمض على قدومهم عشرون سنة حتى أصبحت الإباضية أكثر المذاهب انتشارا بين قبائل البربر. هذه القبائل التي عكفت على دراسة تعاليم المذهب فأعجبوا بمقالات أصحابها، خاصة المقالات التي تدعو إلى المساواة والتي لم يحس بها البربر، وكانت السبب في اعتناق البربر لمذهب الإباضية. لا مندوحة إذن أن تلقى الإباضية إقبالا كبيرا عند البربر، فانتشرت بين قبائل كثيرة أهمها "نفوسة" فابن رسته يصف سكان جبل نفوسة موطن هذه القبيلة بقوله: هم قوم عجم الألسن إباضية كلهم(1). ويذكر ياقوت الحموي بأن كل نفوسة شراة وهبية وإباضية متمردون على طاعة السلاطين(2). كما انتشرت بين قبائل مزاتة، فاليعقوبي يقول: ومزانة كلها إباضية على أنهم لا يفقهون ولا لهم دين.(3) ويبدو أن قبائل مزاتة انقسمت إلى قسمين: قسم تمذهب بالإباضية وقسم أخذ بالواصلية(4). ويؤكد ذلك ابن حوقل بقوله: "وتجاورهم – أي سكان جبل نفوسة - من البربر زناتة، ومزاتة قبيلتان عظيمتان الغالب عليهم الاعتزال من أصحاب واصل بن عطاء"(5).
(1) -ينظر: الأعلاق النفيسة، مطبعة بريل، ليدن، 1891، مج7، ص346.
(2) -ينظر: معجم البلدان، مج8، ص305.
(3) -ينظر: صفة المغرب، ص5.
(4) - هي فرقة تنسب إلى واصل بن عطاء مولى بني مخزوم، وقيل مولى بني ضبة. ولد سنة 80هـ بالمدينة وتوفي سنة 131هـ، وواصل هذا هو رأس المعتزلة، فلما كفّرت الخوارج مرتكب الكبيرة قال واصل بل فاسق لا مؤمن ولا كافر فهو في منزلة بين المنزلتين. ولذلك اعتزل حلقة الحسن البصري رفقة عمرو بن عبيد، ومن يومها سمي أتباعه بالمعتزلة. ينظر: ابن تغرى يردى: النجوم الزاهرة، ج1، ص313-314.
(5) - ينظر: صورة الأرض، ص94.