جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٧٠ونؤيد "جوتييه" في رأيه خاصة وأن ابن عذارى، وابن خلدون يتفقان في القول في أن برغواطة، ومغيلة، وهوارة، وبني يفرن، هم السباقون إلى تعبئة الحركة الخارجية الأولى (1). ويرى حسين مؤنس أن هذا التحليل مقبول، خاصة وأن زناتة آزرت المسلمين أملا أن تنتصف بهم على الروم، والنصارى، والأفارقة، وصنهاجة، لكن آمالها خابت، مما جعلها تقبل على الأخذ بمبادئ الإباضية والصفرية للانتقام من العرب(2).
والحقيقة أن البربر أعجبوا بالنظريات الإباضية خاصة نظرية الإمامة، لأن الإباضية لا يشترطون أن تكون الخلافة في قريش، بل ولا في العرب عامة، وهم بذلك لا يختلفون عن فرق الخوارج، وفي رأيهم أن كل من اتقى الله كان أحق بها ولو عبدا حبشيا، ودسوا مع هذا المبدأ بعض تشديداتهم وتعمقاتهم، فظهر للبربر أن تعمقهم ذلك إنما هو زيادة في الخشية من الله، وأن ذلك هو التقوى الذي أمر به الشرع(3).
والملاحظ أن أعداد الموالي لم تكن كثيرة في صفوف الخوارج، وقد كثر عددهم عندما أسرف بنو أمية في اضطهاد الموالي وإذلالهم، وبما أن المذهب الإباضي كان ينادي بالثورة على الجور وممثليه من الولا،ة فقد وجد البربر في اعتناقه مبررا لثورتهم على الحكم العربي. والشيء المؤكد أن بلاد المغرب كانت أكثر المناطق تهيئا للثورة، لأنه بعد أن تم الفتح الإسلامي فيها برزت جميع الخلافات السياسية، والمذهبية التي كانت بين العرب ببلاد المشرق بصورة أعنف، وانتقلت هذه الخلافات من المشرق إلى المغرب. ولما تمت عملية الفتح في الأندلس ومشاركة البربر بكثرة جعلت رد فعل البربر عنيفا ضد السياسة العربية، وضد المظالم التي تعرضوا لها من بعض الولاة.
(1) - ابن عذارى: البيان، ج1، ص52-53؛ ابن خلدون: العبر، مج6، ص221.
(2) - ينظر: فجر الأندلس،ص113.
(3) - السلاوي: الاستقصاء، ج1، ص60.