جبل نفوسة منذ انتشار الإسلام حتى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (21-442هـ) مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ٧٦

لم ييأس عبد الرحمن بن حبيب على الرغم من كل هذه المحاولات الفاشلة، لأن القضاء على الإمامة الإباضية كان ضرورة حتمية، لأنها ستقطع صلة الشام والمشرق عامة بالمغرب، فيصبح في عزلة تامة لا تأتيه الإمدادات في حالة ثوران المغرب كله. وفي هذه الظروف غيّر من استراتيجيته القتالية بالتجائه إلى الحيلة للتخلص من هذا الخطر الذي يهدده، فآثر بث الشقاق والخلاف بين الإباضية، عندما أوعز إلى شخصين مهمة قتل عبد الجبار، والحارث. وعندما تمكنا من ذلك جعلا مقبضي سيفهما متقابلين وكأن عبد الجبار والحارث تقاتلا. حينئذ انقسمت الإباضية إلى فريقين: فريق رأى التبرئة من القتيلين، والفريق الآخر خالف ذلك، لأنه لا يعرف بالضبط الباغي منهما حتى يتبرأ منه(1).

وحولت هذه المسألة للمشرق للإفتاء فيها من قبل علماء المذهب، فدعاهم الإمام أبو عبيدة وحاجب الطائي إلى عدم ذكرها تجنبا للخلاف(2)، ولكن الشقاق ظل موجودا حتى قيام الإمامة الخطابية سنة 140هـ (757م)، بل حتى إلى عصر أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي - أي القرن الخامس الهجري (11م)(3)، ولذلك فإننا لا نستبعد أن يكون مقتل الحارث وعبد الجبار كان نتيجة لخلافات داخلية لا علاقة لها بعبد الرحمن بن حبيب.

وفي خضم هذه الأحداث تولى إسماعيل بن زياد النفوسي الإمامة سنة 132هـ (750م) ولقب بـ "إمام دفاع"، فحاول جمع شمل أتباعه لكن دون جدوى، مما سهل لعبد الرحمن القضاء على إمامته بعد مدة قصيرة، حيث خرج إسماعيل متجها إلى مدينة "قابس" فالتقى الجيشان وانتهت المعركة بمقتل إسماعيل وعدد كبير من أفراد جيشه، ثم اتجه عبد الرحمن إلى طرابلس ففتحها وولى عليها عمرو بن سويد المرادي(4).

(1) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص24؛ موسى لقبال:المغرب الإسلامي، ص168.

(2) - الشماخي: السير، ص125.

(3) -الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص153.

(4) - ابن عبد الحكم: فتوح إفريقية، ص108؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص171.

٧٦ / ٤٣٨