جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٨٢والملاحظ دائما أن المصادر الإباضية تبرر أعمال أهل المذهب بأنهم لا يحاربون إلا إذا استحل عدوهم دماءهم. ففي حصار القيروان مثلا يذكر أبو زكريا والدرجيني أنه حدث وأن مرض عاصم السدراتي فاشتهى قثاة، فبعث أهل القيروان رجلا يبيع القثاة فسموا له واحدة وأمروا البائع بأن يعطيها لعاصم فأكلها فمات، ثم صاح أهل القيروان يخبرونهم بما فعلوه. ولما وصل خبر الجريمة إلى أبي الخطاب أمر أصحابه بالانسحاب ليلا وكأنهم انهزموا، فلاحقوهم إلى أن وجدوهم مختبئين قرب مدينة "رقادة" فهجم عليهم الإباضية وظلوا يلاحقونهم ويقتلونهم إلى أن دخلوا المدينة معهم، وذلك سنة 141هـ (758م)(1).
كما تظهر المصادر الإباضية رغبة إخوانهم في الإصلاح، وأن ثوراتهم هي وسيلة للإصلاح وليس للتخريب والاستيلاء على السلطة، فمثلا عند دخولهم القيروان تذكر أن أبا الخطاب منع أصحابه من إفساد الزرع، فلما رأى الناس سلامة زرعهم، تعجبوا من عدله، وسيرته، وطاعة أصحابه له فيما يأمرهم به من الحقوق(2).
وإذا كانت هذه المصادر تؤكد على أن خروج الإباضية إلى القيروان كان تلبية لدعوة تلك المرأة التي استنجدت بهم، والعمل على القضاء على المناكر التي ارتكبتها ورفجومة، فإننا لا نستبعد العامل الاقتصادي. ففي هذه السنة شهدت منطقة طرابلس قحطا شديدا أرغم سكانها على أكل الجراد(3).
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص40؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص26.
(2) - أبو زكريا: المصدر نفسه، ص40.
(3) - الشماخي: السير، ص127.