محمد بن سعيد القنوبي - من أسرار مدرسة الصيام
الجزء ١ · صفحة ١٣4 - التكافل الاجتماعي
ان مما يمتاز به المجتمع المسلم التكافل الاجتماعي بين افراده واسره فهو لحمة واحدة يتألم بآلام بعضه البعض، و لا يكون كذلك الا اذا واسى غنيهم فقيرهم، واعان قويهم ضعيفهم، بل ان النبي صلى الله عليه وسلم عد من بات شبعان وجاره جائع غير صحيح الايمان، لأن الايمان ينافي هذا المسلك المعوج وينأى بشفافية ايمانه عن هذا التعالي والترفع
وسر الصوم في هذا الامر يتجلى في انه يريدك ان تحس ببعض مرارة عيش الجوعى والمساكين وهم يكابدون لأواء هذه الحياة بين باب يصده ويد، ترده انت ايها الصائم تحس بجوعتك في شهر واحد، اما الفقير فهو يتضور جوعا سائر، عامه فشتان بين من جاع شهرا ومن جاع عمرا، حتى اذا اخذتك شدة الجوع والظمأ تذكرت نعمة الله عليك، وتذكرت واجبك تجاه اخوانك من دينك ومن مجتمعك وربما يكونون من اقاربك، غفلت عنهم دهرك فجاء الصيام ليذكرك بما غفلت عنه
وقد ذكر - والله اعلم والله اعلم - عند ارباب السير والتواريخ ان سيدنا يوسف عليه السلام كان يكثر من الصيام، فقيل له: يا نبي الله، أتجوع وبيدك خزائن الارض؟ قال: أخشى اذا شبعت ان انسى
حق الفقراء
يالها من نفوس ما اعظمها، اين منها نفوس من جمع المال، وثمره، وكنزه وادخره، كيف بالله عليك يشعر المتخم بالجائع المعدم! كيف يتصور المترف حال ذوي الاقتار والاعدام! فأناس تموت تخمة
واخرون يموتون جوعا
كم من فقير صاح من كَلب زمانه فذهب صوته ادراج الريح، وكم من ضعيف مسكين بكى من شدة الحاجة وما علم عنه جاره بيت بيت كم من محتاج يدور على الشوارع يسأل الناس، كم من فتاة في غضارة شبابها ونضارة عمرها تبيع الشيء اليسير من الطعام وهي متنقلة من مكان الى اخر من شدة حاجتها وحاجة امها واخوانها اليتامى انها مآسي يندى لها الجبين، وينقطع منها الوتين، لذلك جاء شهر الصوم ليقرع هذه القلوب قرعا، وينبهها من غفلتها حتى تجود ببعض ما أفاء الله عليها على هؤلاء المعدمين
"