محمد بن سعيد القنوبي - من أسرار مدرسة الصيام
الجزء ١ · صفحة ١٤ان ما سبق ذكره في وقفة سابقة من اسراف الناس وتبذيرها، وتفننها في صنع الاطعمة وتشكيلها، ثم مآل ذلك الى سلة المهملات لمما يبين فداحة الخطب وشدة الامر، اذن ان هذا الطعام الذي
يرمي به يتوق له الفقير المحتاج الذي تتلمظ شفتاه طعمه، وتهفو نفسه الى ريحه.
فاته
ومن طريف ما يذكر ان رجلا كانت عنده مجموعة من المواعين وقد مضى على استخدامها مدة من الزمن، وبعضها غير صالح للاستعمال، فألقى بها بجوار صندوق البلديات، فلم تمض عليها ضحوة من نهار الا وتلك المواعين قد اختفت، وجاء من جيرانه من اخذها، وبعضهم ممن طرق على صاحبها داره فقالوا له: لقد وزعت مواعين فأين نصيبنا؟ فقال لهم في دهشة: ما وزعت شيئا منها، انما هي قديمة وقد رميت بها، فقالوا له: لم يمض عليها ضحوة من نهار حتى
تهاوشها الناس
تري
ألهذا الحد وصل الفقر بالناس إي وربي وأشد منه واقع، فليتق الله اهل الغنى فيما افى الله عليهم وبسط لهم من رزق، فإن النعمة لا تدوم ودوامها بشكرها ونفادها بكفرها (واذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم ان عذابي لشديد).
وشهر الصيام جاء ليفتح بصائر القادرين على العطاء لأناس لا يسألون الناس إلحافا، فهم لا يتعرضون للمسألة حتى يعرفوا وانما طووا ولم يعرف عنهم احد، ولو جاء الاغنياء بزكواتهم، وجاد كل من زاد معه زاد بما زاد لما وجدنا فقيرا يسأل الناس، فعمر بن عبدالعزيز رحمه الله من الزكاة وحدها اغنى الناس ولم يجد فقيرا تدفع له الزكاة حتى اعتق بها الرقاب وزوج العزاب، رغم ان خلافته لما تصل الى ثلاث سنوات
ولقد كان لنا في فعله صلى الله عليه وسلم اسوة حسنة في شهر رمضان، اذ انه كما وصفته عائشة رضي الله عنها أجود بالخير من الريح المرسلة، كريم معطاء ينفق انفاق من لا يخشى الفقر، اذن حقا تلك هي من ابدع اسرار الصيام التي اوجزها عليها الصلاة والسلام في قوله (ولو
تعلمون ما في فضل رمضان لتمنيتم ان يكون سنة).