العقيدة الوهبية
الجزء ١ · صفحة ١٣العقيدة الوهبية لأبي مسلم البهلاني واسْتُفِيدَ مِنْ هَذا التَّعريفِ أَنَّ المُدْرِكَ هُو النَّفْسُ، والْعَقْلُ إِنَّمَا هُوَ آلَةٌ فِي الْإِدْرَاكِ، ومِثْلُهُ في ذلك غَيْرُه مِنْ بَقِيَّةِ القُوى؛
ولِذَا قَالَ بَعْضُهُم: إِنَّهُ اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ المُدْرِكَ لِلْكُلِّيَّاتِ والْجُزْئِيَّاتِ هُو النَّفْسُ النَّاطِقَةُ، وأَنَّ نِسْبَةَ الْإِدْرَاكِ إِلى قُواهَا كَنِسْبَةِ القطع إلى السِّكِّيْنِ، وقيل: هُو جِسْمٌ بِدَليلِ تَمييزه الأَشْيَاءَ، وَحِفْظِهِ لَهَا، وَلَا يَكُونُ فَاعِلٌ مِنَ الخَلْقِ إِلا جِسْماً، لأنَّ الأَعْرَاضَ تَسْتَجِيلُ مِنْهَا الْأَفْعَالُ
التلميذ: أينَ مَحَلُّ العَقْلِ مِنَ الْعَاقِلِ البَشَرِيِّ؟ الأستاذ: قيل: هُو مُتَمَكِّنٌ في القَلْبِ رَاتِبٌ سَاكِنٌ مُتَحرِّكٌ، تَحَرُّكُهُ تَمِييْزُه للأشياءِ،
وسُكُونُه تَرْكُ التَّمييز. وَقِيلَ: هُوَ عَرَضْ، وأنه نَفْسُ التَّمْييزاتِ والعلم. وعِندَ جُمْهُورِ أَصْحَابنا: قُوَّةً في القَلْبِ مَنْزلَتُه مِنْهُ مَنْزلةُ البَصَرِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالسَّمْعِ مِنَ الأُذُنِ، والشَّمَّ مِنَ الأَنْفِ والذَّوقِ مِنَ اللَّسَانِ، وَالشَّمْسِ مِنَ الجَسَدِ. وَهَذَا القولُ مَشْهُورٌ عن الشافعي، ولايُنافي ما روي عَنْهُ آلَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ، يُمَيِّزُونَ بِها بَيْنَ الْأَشْيَاءِ وأَصْدَادَها رَكَّبَها اللهُ فيهم لِيَسْتَدِلُوا بها عَلَى الْأُمُور الغائبة بالعلامات التي نصَبَها الله لهم مَنَّا مِنْهُ ونِعْمَةً، فَإِنَّ تِلْكَ الآلة هي القُوَّةُ
المَذْكُورة. وقال بعضُ مَشائخ المَغَارِبةِ مِنّا: هُو مَعْنى في الْقَلْبِ سُلْطَانُه في الدّماغ؛ لأنَّ أَكْثَرَ الحَوَاسَ في الدَّماغِ؛ وَلِذَلِكَ قَدْ يَذْهَبُ بِالصَّرْبِ عَلَى الدِّمَاغِ، فَهُوَ عَرَضْ لَا جِسْمٌ؛ لِقَوْلِهِ: مَعْنَى. وَقالَ مَالِكٌ: هُوَ فِي الدّماغ بِدَلِيلِ ذَهَابِهِ بِالضَّرْبِ فِيهِ. وعن عيسى بنِ يُوسُفَ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَكِّبَهُ اللهُ فِي جَوَارِحِ الْإِنْسَانِ كلَهَا إِلَّا بَاطِنِ القَدَم. ويُبْحَثُ فِي هَذَا بِأَنَّهُ إِنْ كان أرادَ
بالجَوَازِ عَدَمَ المُحَالِ فَلَيسَ وُضْعُهُ أيضاً في بَاطِنِ القَدَمِ مُحالاً، وإنْ أراد بالجَوَاز الإحْتِمَالَ فَوَضْعُهُ في بَاطِنِ القَدَمِ مُحْتَمَلٌ، ولا يَبْقَى إِلَّا أَنَّهُ أَحَقُّ بالعُلُوّ، والظَّاهِرُ أنَّ عيسى توقَّفَ فِي مَحَلَّ العَقْلِ فَقَالَ ذلِكَ. التَّلْمِيذُ: هَلْ يَنْقَسِمُ ما صَدَقَ عَلَيْهِ مُسَمَّى الْعَقْلِ؟ الأستاذ: بَلَى؛ يَنْقَسِمُ إِلَى غَرَزِيَّ؛ وَهُوَ الفِطْرِيُّ المَغْرُوزُ فِي الْإِنْسَانَ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُكْتَسَبِ، وبِهَذا الفِطْرِيِّ عُلِّقَ التَّكْلِيفُ، وإلى كَسْبِيٍّ، وهُو خَاصٌ بِأُوْلِي الفَضْلِ وهو العَقْلُ المُرَكَّبُ، عِبارةٌ عَنْ عُلُومٍ تَسْتَفَادُ مِنَ التَّجارِب بمَجارِي الْأَحْوَالِ وَسَوَاءٌ الدُّنْيَويَّة والأُخْرَويَّة إلا أنَّه تَلْحَقُ الخِسَّةُ بالمُقْتَصِرِ عَلَى الغَرَزِيَّ الْمَعْرُوفِ بِالْبَسِيط؛ إِذا قَصَرَ كَسْبَهُ عَلَى الدُّنْيَوِيِّ التلميذ: هَلْ يَنْفَكُ المُرَكَّبُ عَنِ البَسِيط؟ الأستاذ: كَلَّا لَا يَنْفَكُ الْعَقْلُ المُرَكَّبُ الكَسْبِيُّ عَنِ العَقْلِ الْغَرَزِيّ الفطري البَسِيطُ؛ لأَنَّهُ ثَمَرَتُهُ وَنَتيْجَتُه، وبخلافه البسيطُ فَإِنَّهُ يَنْفَكُ عَنِ المُرَكَّب، بمعنى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذا لم يُكَسْبَ بِعَقْلِهِ الغَرَزِيّ الفَضَائِلِ والكَمَالاتِ الدِّيْنِيَّةَ والأَدَبِيَّةَ، وَبَقِي عَلَى سَذَاجَتِهِ
شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية
صفحة 13