العقيدة الوهبية ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

العقيدة الوهبية

الجزء ١ · صفحة ١٢

العقيدة الوهبية لأبي مسلم البهلاني حُكْمِ عَقْلِكَ أَيْضاً أَنَّ الحَادِثَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثَ أحْدَثَهُ، لأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ العُقُولِ بِالضَّرُورَةِ أَنْ لا صَنْعَةَ بِدُونِ صَانِع، ولا أثر بلا مُؤَثْرٍ، وذلك المُؤَثَّرُ الصَّانِعُ

المُوجِدُ المُحْدِثُ لِلْحَادِثِ يَلْزَمُ أَنْ لا يَكُونَ مِنْ جِنْسِ المَصْنُوع، وإِلَّا لَزِمَ الدَّورُ والتَّسَلْسُلُ، وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذلكَ المَصْنُوعُ غَيْرَ صَانِعِ لِنَفْسِهِ، وَ إِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَوْجُوداً قَبْلَ نَفْسِهِ وَبَعْدَ نَفْسِهِ؛ لِوُجُوبِ كَوْنِ الصَّانِعِ قَبْلَ صَنْعَتِهِ، فَكَوْنُ اللهِ خالقاً يَقْتَضِي التَّقَدُّمَ عَلَى مَخْلُوقِهِ، وكَوْنُ الْمَخْلُوقِ مَخْلُوقاً يَقْتَضِي تَأَخُرَهُ عَنْ خَالِقِهِ، وعَكْسُ هَذا مُحَالٌ، إذ العَدَمُ لا يُوجِدُ مَوْجُوداً، وإذا قُلْنا بِعَدَمِ اسْتِحَالَتِهِ كَابَرْنَا إِذْ عُقُولنَا، وَلَزِمَنا اجْتِمَاعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ، والأَمْرَانِ المتَنَافِيَانِ هُنَا هُمَا الاسْتِوَاءُ والرُّجْحَانُ بلا مُرَجّح؛ لأنَّ وُجُودَ كُلّ فَرْدٍ مِمَّا سِوى اللَّهِ مُسَاوِ لِعَدَمِهِ، وَزَمَانَ وُجُودِهِ مُسَاوِ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَمْكِنة، وصِفَاتَهُ الَّتي اخْتَصَّتْ بِهِ مُسَاوِيَةٌ لِغَيْرِهِا من الصِّفاتِ، فانْظُرْ هذا الحُكْمَ العَقْلِيَّ، واعْتَمِدْهَذِهِ الحُجَّةَ الْعَقْلِيَّةَ التلميذ: أَهَذِهِ كُلَّ حُجَّةِ اللَّهِ؟ الأستاذ: كَلَّا لَيْسَتْ هَذه كُلَّ حُجَّةِ اللهِ، إِنَّمَا هَذه حُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ تَقُومُ دَلِيلاً عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ القَدِيمِ الْحَقِّ، تَقَدَّسَ وَتَعالى، وأمَّا حُجَّةُ اللهِ عِنْدَنَا إِنَّمَا تَقُومُ بِالكُتُبِ وَالرُّسُلِ، ولا تُنَالُ مَعْرِفَةُ اللهِ التَّفْكِيرِ، أو الاضطرارِ، بَلْ بالاكْتِسَابِ كَالسُّؤَالِ والتَّعَلُّمِ التلميذ: ألاَ يَظْهَرُ أَنَّ العَقْلَ حُجَّةٌ فِي التَّوحِيدِ بلا مُنَبِّهِ؟ الأستاذ: بَلَى، يَظْهَرُ أنَّ الْعَقْلَ حُجَّةٌ في التَّوحيدِ بلا مُنَبِّهٍ، كَمَا نَصَّ عَلَيهِ القُرْآنُ بِجَعْلِ المَخْلُوقاتِ دَليلاً، والصَّنْعَةُ تَدلُّ على الصَّانع، والكُتبُ والرُّسُلُ أَيضاً حُجَّةٌ في ذلك، وفي تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ.

التلميذ: ما حُكْمُ مُكَلَّفَ انْفَرَدَ فِي جَزِيرَةٍ؟

الأستاذ: حُكْمُهُ غَيْرُ مَعْذُور في الشِّرْكِ، ولا في جَهْلِ الفَرَائِضِ، وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ عِنْدَنا؛ إِذْ قَدْ قَامَتْ حُجَّةُ اللهِ على المُكلَّفِينَ، وانْتَشَرَتِ الشَّرَائِعُ بِوَاسِطَةِ الكُتُبِ وَالرُّسُلِ مِنْ عَهْدِ آدمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى زَمَنِنَا. التلميذ: إنْ كانَ صَاحِبُ الجَزيرة على شِرْعَةٍ مَا مِنَ الشَّرَائِعِ الْإِسْلَامِيَّةِ القَدِيمَةِ، أَفَلَا يُعْذَرُ ما يَبْلُغْهُ النَّسْخُ؟

الأستاذ: بَلَى، يُعْذَرُ، ويَسْتَمِرُّ مَعْذُوراً حَتَّى تَصِلَهُ حُجَّةً نَسْخِ تِلكَ الشَّرْعَةِ الَّتِي كَانَ

عَلَيْهَا، أَوْ حُجَّةٌ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا. التلميذ: ما هي طُرُقُ العِلْمِ؟

الأستاذ: طُرُقُ العِلْمِ هي الحَوَاسُ، فَتُدْرَكُ حَقَائِقُ المَحْسُوساتِ بِوَاسِطَةِ الْعَقْلِ.

التلميذ: ما هو العقل؟ الأستاذ: العَقْلُ وَقَعَ لِلْعُلَماءِ في تَعْرِيفِهِ وَحَدِّهِ جُمْلَةُ تَعارِيفَ، وَأَحْسَنُ تِلْكَ التَّعَارِيفِ: أنَّه نُورٌ رُوحانِيٌّ تُدْرِكُ بِه النَّفْسُ العُلُومَ الصَّرُوريَّة والنَّظَرِيَّةَ وَنِسْبَتُه لِلنَّفْسِ مِنْ

نِسْبَةِ الشَّيْء لِمَا يُشْبِهُهُ.

شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية

صفحة 12