خصائص المذهب الإباضي مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

خصائص المذهب الإباضي لمصطفى بن دريسو

الجزء ١ · صفحة ٢

لما أسس الإباضون الدولة الرستمية في تاهرت سنة 160 هـ عم الرخاء والازدهار الاقتصادي، وبرز التسامح المذهبي بين الإخوة في الإسلام، فكانت تجسد بحق قولَه تعالى: يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. (سورة الحجرات: 13)، وتعد الدولةُ الرستمية أولَ دولة إسلامية مستقلة في الجزائر وفي المغرب الأوسط، لكنَّ انقراضَها سنة 296هـ سبب نزوحَ الكثيرِ من الإباضية نحو وادي ريغ ووادي سوف وسدراته بوارجلان، ثم مزاب بعد ذلك، أين لاقوا في هذه الربوع الأخيرة حفاوة كبيرة من أهلها الأصليين، وامتزجت طيبة وبساطة المزاب البربري بالإيمان والصدق الإباضي، فتلاحم العرقُ الطاهر مع الفكرة الرائدة، ثم تعانقت همة المزابي بالنظام التربوي الذي أسسه أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي سنة 409هـ والذي يقوم على تعليم الناشئة، وتلقينهم السِّيَر، وتبصيرهم في الدين.

كتب الله أن تتطور حلقات أبي عبد الله التربوية العلمية التي كان ينضم إليها العزابي بمقصد التفقه إلى هيئة تشرف على قصور وادي مزاب، وإلى حلقة تدير المساجد والأوقاف والتعليم الديني، وإلى نظام اجتماعي يوجه شؤون المجتمع الدينية والاجتماعية والثقافية، وإلى هيئة تنسق مع باقي هيئات المجتمع المزابي في القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية، كمجلس الأعيان، ومجالس العشائر، وهيئة إِمَصُّورْدَانْ أو إمكراس.

إن الإباضية تستند في منهجها المعرفي إلى المصادر المتفق عليها بين المسلمين: الكتاب والسنة والاجتهاد بأوسع معانيه، وبالخصوص الإجماع والقياس. وتتسم هذه المنهجية بالاعتدال بين التزام النص وإعمال الرأي والتعليل، وباعتماد الدليل الشرعي في كل الأحوال. كما يعد تنوعُ البيئات، وتباينُ المجتمعات الإباضية مشرقا ومغربا عاملاً مسهما في الثراء الفقهي للمذهب، وفي البروز الحضاري للأمة الإباضية في حقول التجارة، والعمران والري، والنظم الاجتماعية والتربوية والحمد لله.

وفي هذا الشأن يبلور المفكر الإسلامي مالك بن نبي وجهة نظره في مقال له سنة 1968 فيقول: "على الجزائري الذي يزور مزاب، ألا يذهب إليه بهدف التصوير وأخذ المناظر الفوتوغرافية كما يفعل السياح بحثا عن المناظر التقليدية ذات الألوان المحلية، وإنما ينبغي الذهاب إلى هناك بضمير الباحث الذي يرغب في تمزيق الأغلفة، فإنه بعد تمزيقها يكتشف في مزاب شيئا جديدا، هذا الجديد الذي هو مِلكنا جميعا" (مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية: د. ناصر محمد).

وهذه جملةٌ من المسائل والقضايا الخاصة بالمدرسة الإباضية ليتعلمها المؤمن، ويدرك أدلتَها وترجيحاتِها، ولنبدأ بالمسائل المتعلقة بالصلاة على ما يأتي:

1 - يرى الإباضيَّة عدم جواز أخذ الأجرة على ما كان عبادةً وقربةً إلى الله تعالى؛ لأنَّ أخذ الأجر

٢ / ٦